حركة الشعر الحدیث
مدخل حول حركة الشعر الحدیث
نهر یستقى ماؤه من ظلال الكلمة العربیة
هنا وفی كل عدد تجد أیها القارئ
قلم عربی معاصر ینیر الفكر
خالدة سعید
مدخل حول حركة الشعر الحدیث
إذا
حددنا حركة الشعر الحدیث بأنها مجرد تغییر طرأ فی أشكال الشعر فبعثر عمود
الخلیل وأزال القافیة وسخر من فنون البدیع والبیان المعروفتین نكون قد
أخطأنا فهم هذه الحركة.
لكی لا تأتی نظرتنا إلى حركة الشعر الحدیث جزئیة یجب أن ننظر إلیها كظاهرة لحركة كبیرة شاملة تشهدها حیاتنا المعاصرة تتجلى بالثورة على الأسس والمفاهیم التی استقرت علیها طویلا. لنتذكر فی هذا المجال التطور الذی لحق بوضع المرأة الاجتماعی والهزة التی أحدثها، لنتذكر أن النساء اضطررن أحیانا للتظاهر وتمزیق الحجب أمام دور الحكومة، كما اضطررن لتقبل شلالات المیاه القذرة ترشق بها وجوههن مع سیول الشتائم والاتهامات بالخروج على الدین والأخلاق. لنتذكر أیضا ما كانت علیه فكرة الحریة الشخصیة وما صارت إلیه، ولیس انتقال السلطة الفعلیة والمعنویة من أیدی المشایخ والباشوات إلى أیدی الشعب أمرا مستقلا عن هذه الحركة. كان الغنی غنیا والفقیر فقیرا لحكمة نجهلها. كان الإنسان مخلوقا مكبلا ألقی به فی هذا العالم لیمثل دورا أنیط به ثم یمضی كما جاء دون أن یكون غایة فی ذاته، دون أن تكون لإنسانیته قیمة كبیرة. كان السلطان یحكمنا بإذن الله وبإذن الله كنا له نعاجا، وكان الله حبیس المعابد. كان الإنسان یباع ویشترى لأن رجلا من الناس یملك ورقة تثبت ملكیته له. وكان الشعر سجین البحور الستة عشر یأتمر بأمر الخلیل الذی وهب یوما القدرة على تحدیده. كان الشعر ابن البدوی الأول الذی وهب وحده حریة التعبیر عن نفسه ثم حكم علینا أن نكون تابعین للموهوب الأول، لأنه لیس فی إنساننا الجدید ما یستحق أن یعبر عنه بشكل آخر.
لو أن الشعر الحدیث ثورة على الشكل وحسب لكان فقد مبرراته؛ ولكن موقف الشعر الحدیث من العالم موقف مختلف. كان الشعر العربی القدیم متفرجا على العالم اكتفى بوصف ظواهره وغنى انعكاسات هذه الظواهر السطحیة. لم یكن الشعر عنده مغامرة تطمح إلى أن "تفسر العالم وتغیره" كما یرى بدر شاكر السیاب، وإلى "أن تجعل ما یفلت من الإدراك العقلی مدركا" أو أن تكشف عن "عالم مجهول لم یعرف بعد" كما یرى أدونیس.. رسالة الشعر الیوم غیرها بالأمس.
فهذه القوة الغامضة السحریة التی أرید لها حین نشأتها أن تكون تعاویذ مبهمة، أو أحجیة، وكلاما خاصا معجزا، وسفرا شفویا (بإطار من مفاتیح التذكر) لأمجاد القبیلة أو الحزب، ثم حداء ناقة "إكلیلا للمرأة" و "تصعیدا للمواقف" هذه الأداة عینها تقفز الیوم لتكون جسرا بین واقع الإنسان المادی العلمی وبین الروح والقوى الغیبیة التی احتضرت فی هذا الزمن، بین عالمنا المكشوف وعالم الإنسان الخبیء خلف منعطفات الخیال والذاكرة.
یوم كانت للأشیاء أرواح وإرادة، یوم كان العالم مملكة الآلهة الجمیلة والشریرة، وكانت أحداثه صراعا بین هاتین القوتین، كان الشعر مبثوثا فی العالم وكان الشعراء رواة لهذا الصراع. ویوم عاد العالم تفاعلا كیماویا باهتا، یوم تقلص ظل الآلهة وعاد القمر كتلة حجریة بلا روح، والمطر تكاثفا لبخار الماء، غدا الإنسان وحیدا وسط عالم جامد، فلا آلهة تستمع صلواته وتشاركه الهم والفرح، ولا آلهة تدبر شؤون وتمطر له المنّ والسلوى أو الطیر الأبابیل، یومئذ أصبح على الشاعر أن یعید الروح إلى الأشیاء، أن یحمل قلق الإنسان وخیبته وشكوكه وتناقضات حیاته، أن یكون نبی عصره الذی یقف بین الجموع یحدث الآلهة ویوحی إلى الناس بحدیثها. ولذا نرى أدونیس یعتبر الشعر الحدیث "رؤیا"؛ أما بدر السیاب فیقول: "لو أردت أن أتمثل الشاعر، لما وجدت أقرب إلى صورته من الصورة التی انطبعت فی ذهنی للقدیس یوحنا، وقد افترست عینیه رؤیاه، وهو یبصر الخطایا السبع تطبق على العالم كأنها أخطبوط هائل".
وهكذا لم یعد الشعر خطابا یمدح السلطان، ولا "حلیة لصدر أنثى" ولا افتخارا بمآثر القبیلة. إن أحب الحدیث فلا یتغزل بعینین وثغر ونهد، بل یضعنا أمام المصیر الذی ینتزع كیانین من وحدتهما، أمام هذه التجربة الأزلیة التی تتجدد، أمام هذا القلق الفرح الدائخ الذی یجری فی العروق.
وبالطبع لا بد لهذه الرؤیا الجدیدة، لهذه المغامرة التی تخلت عن النظرة والمواقف القدیمة من أن تتخلى بالتالی عن كل الشروط الشكلیة المسبقة، لا بد لها من أن ترفض النظرة القدیمة إلى الشكل وإلى الجمال أصلا. وقد تخلى عصرنا بدوره عن كل الأشكال التزیینیة؛ تخلى عن المثال الیونانی- الرومانی للجمال الذی تجلى فی التناسق والانسجام والفخامة، تخلى عن فكرة النموذج الطبیعیة. لقد رفض الفن أن یكون آلة لا قطة،، ورفض الشعر أن یكون بناء هندسیا- صوتیا. اللوحة الحدیثة أو التمثال الحدیث نموذج فرد لرؤیة مبدعها ولیست نسخة عن نموذج جامد فی الطبیعة. لقد اقتضى منطق التطور أن یتخلى الفن عامة عن القواعد والتقنیات التی جهد عصر النهضة فی بنائها، فانطلقت القصة من أسر العقدة، وتخلى التصویر والنحت عن علم التشریح. فالشكل الحدیث عامة یتجه نحو رفض القوالب، نحو الحریة وهی غیر الفوضى.
ولنذكر أن التعقید والزخرف اللذین لحقا قوالب الشعر فی أواخر العهد العباسی كانا یرسمان الخط البیانی المنحدر الذی أوصل الشعر إلى عهد الانحطاط. التلهی بالزخارف والشكلیات كان بدایة العقم.
كان بدیلا عن الإبداع الحقیقی. ولنذكر أن عهد النهضة عندنا بدأ برفض هذه الزخارف جمیعها، وأن أذن الجمهور نفسه أصبحت تمقت السجع وتنفر منه.
عندما بدأ الشعراء یتخلون عن الأشكال القدیمة ظهر هذا التساؤل: ما هو الوزن أو الشكل الذی سیحل محل أوزان الخلیل؟ وقال قائل: المهم أن یتوصل المجددون إلى وزن ما وعندئذ سنرضى عن ثورتهم. وهذا یعنی أن العقلیة العامة تنتظر قالبا جدیدا یحل محل قالب قدیم. ثم ظهرت فئة أخرى تقول أن لتطور أوزان الخلیل حدا، وتعنی أن الشعر قد بلغ المرحلة النهائیة من التطور. وطبیعی أن هذه الأقوال والتساؤلات بعیدة عن منطق التطور.
إذن ما هو الشكل المقبل للشعر الحدیث؟
بدأت الانطلاقة الحدیثة غامضة مترددة واقتصرت فی بادئ الأمر على بعض التحول الشكلی بینما ظلت من حیث الجوهر أقرب إلى القدیم، تلمست طریقها نحو الشعر الحقیقی وسط صخب الجمهور المستنكر. وفی مدى عشر سنوات استطاعت أن تبرز وتقف على قدمین ثابتتین وأن لم تفرض شخصیتها الحدیثة حتى الآن. شهدت هذه الفترة تحولا واضطرابا ونصرا وتراجعا فیما یتعلق ببعض الشعراء. لكن الحركة ظلت ماضیة فی طریقها تبحث وتحاول أو تمد أصولها بعیدا فی تاریخ الشعر العربی، وتفید من محاولات التجدید التی انقطعت، ومن التجارب الشعریة فی العالم. فماذا حققت حتى الآن؟
أولا- كرست الطابع الإنسانی.
ثانیا- حررت الشكل من كل شرط سابق، أو قالب لأن الشكل تجسد المعنى وكیانه العضوی وهو یتبدل لیظل منسجما وملائما له.
ثالثا- هذه الحریة لا تعنی الفوضى، بل تفترض دائما شكلا معینا لكل قصیدة.
رابعا- الشكل لا یعنی الوزن والقافیة أو انعدامهما بالضرورة.
الشكل الحدیث أكثر من وزن وقافیة. هو حركة القصیدة وطریقة تكونها، وعلاقة أجزائها ببعضها، والأصوات الداخلیة فیها، أهی متقابلة، أم متتابعة، أم متجمعة حول بؤرة واحدة، ثم صورها وطبیعة الصور وأبعادها، وتراكب هذه الصور، وهی كلها من عناصر الشكل فی القصیدة الحدیثة.
خامسا- أن الإیقاع الصوتی بمعناه المعروف ضروری دائما فی القصیدة لأن القصیدة الحدیثة لیست للإنشاد أو الطرب.
سادسا- كل الكلمات شعریة إذا استعملت بشكل یعطیها دلالة جدیدة شعریة. كذلك كل أنواع المعرفة یمكن الاستفادة منها فی الشعر.
سابعا- تخلصت من الجزئیة فرفضت الحادثة وخدمة الأغراض السیاسیة أو الشخصیة أو الحزبیة، وبالتالی تخلصت من الخطابیة والتعلیمیة.
ثامنا- التعبیر غیر المباشر والاستعانة بالرموز التاریخیة لیتمكن الشعر "من التعبیر شعریا عن اللاشعر" كما یقول بدر السیاب. وسیظل الشعراء یمدون هذه العناصر بعناصر جدیدة أو یمحون منها بعضها. وعلینا أن نتهیأ باستمرار لكشوف جدیدة أخاذة تفتح فی آفاقنا رحابا جدیدة وتعلم قلوبنا مغامرات وانخطافات جدیدة.
وطبیعی أن الشعر الحدیث هذا قد ابتعد عن مدارك الجمهور الذی تسیطر علیه الأفكار المسبقة المشتركة التی تقف جدارا فی وجه حركات التجدید. بالإضافة إلى أن هذا الجمهور یجهل الرموز التاریخیة والأسطوریة، لأنه یجهل تاریخه وأساطیره. فضلا عن أن أذنه قد تربت على وقع القافیة الرتیبة والأوزان المتكررة التی تكتفی بأن تطرب أذنه. وطبیعی أن ینفر جمهور المحافظین من هذه الحركة التی تعبث باستقرار مفاهیمه وتزعزعها، وهو الذی یتشبث بقواعد الماضی وقوانینه كأنها آیات منزلة لا ریب فیها. فلا عجب إذن إن نحن رأینا الشعر الحدیث یرشق بأمثال هذه النعوت المضحكة: "مؤامرة على اللغة العربیة"، "وتهرب من صعوبة الوزن والقافیة"، "مسخ لن یكتب له البقاء"؛ فضلا عن "المؤامرة الاستعماریة" و "البورجوازیة" إلى آخر هذه التعابیر الغریبة.
لكن لا بد من إنصاف الجمهور فنعترف بأن كثرة الشعر المزعوم حدیثا واختلاط الجید بالردیء قد بلبل الأفكار وحمل الشعر الحدیث وزرا كبیرا. بالإضافة إلى القفزة التی قام بها الشعر الحدیث مبتعدا بها عن التراث الشعری العربی مخلفا بینه وبین هذا الجمهور هوة كبیرة.
فمن یزیل هذا الالتباس؟ من یمد الجسور بین الشعر الحدیث والقارئ؟
هكذا یبدو لنا أن ناقد الشعر الحدیث فی موقف حرج. فهو یقدم مجهولا إلى جماعة تتهمه مسبقا ولا رغبة لها فی التعرف إلیه ولا ثقة لها به. فما هو سلوك ناقد الشعر الحدیث والحالة هذه؟
یقول ستانلی هایمن: "عندما تتسع الهوة بنی الأدب وذوق الجمهور تصبح لمهمة الناقد التی تتطلب منه أن یكون جسرا بین الأثر الغامض والقارئ أهمیة كبیرة. أی مهمة ترجمة غموض الشاعر. حیث یقتنص لمحاته الأسطوریة ویفسرها، ویضیء الصور الغامضة ویحلل المركبة مهنا ویدرس دلالات الكلمات واقترانها، ویبین اتجاه حركات القصیدة ویسمی أصواتها ویوضح علاقة هذه الأصوات ببعضها ویشیر إلى أبعادها؛ وبالنتیجة یقدم القصیدة للقارئ مدروسة محللة وقد هتكت أستارها وبطل سحرها، وتحولت إلى موضوع مدروس، وهو ما یفقد القصیدة الحدیثة شیئا من رسالتها، ویحرم القارئ متعة الجهد والخلق، ذلك أن قراءة القصیدة الحدیثة، جهد یخلق القصیدة - الصدى، التی تولد فی مشاعر القارئ وتنمو فیها. ولكن معظم الناس یجهلون حتى قراءة القصیدة الحدیثة، لأنهم یقرأونها على ضوء النظرة القدیمة إلى الشعر، یقرأونها فیصابون بخیبة أمل عندما لا یدغدغ أذنهم صلیل القافیة ولا تفجأهم لعب التوریة والطباق والجناس، وعندما لا تتأرجح الكلمات فی دوامة الوزن . فما السبیل إلى فتح النوافذ فی نفس القارئ على عالم القصیدة؟
یبرز أمامنا منحى آخر وهو عرض نماذج للقراءة الراقیة الخالقة، القراءة- المشاركة، القراءة - المعاناة والحضور الفعلی. وهی فكرة جیدة، لكنها غیر مجدیة بالنسبة للذین لم ینفتحوا على الشعر الحدیث ویهربون من غموضه. ذلك أن نماذج القراءة هذه غالبا ما تكون أكثر غموضا من القصیدة نفسها، لأنها لیست تبسیطا بل عرض لاستجابة القارئ والأصداء التی لاقتها فی نفسه، والآفاق التی فتحتها فی هذه النفس. ولأن هذه القراءة قد توقظ كوامن الذكریات أو تثیر المشكلات وتفتح الجراح القدیمة. وهناك رد آخر على هذه الطریقة وهو أن هذه أن هذه القراءة تتضمن كثیرا من العناصر الشخصیة، مما یجعل تعمیمها متعذرا وقلیل الفائدة.
ولكن مهما تكن مزالق الطریقتین لا بد لناقد الشعر الحدیث من الأخذ بطرف من كل منهما لیؤدی مهمة الترجمة والإیصال. فیستعیض عن عرض نماذج القراءة بنموذج واحد لبعض القصائد، أو لإحدى الصور، محاولا دائما التبسیط.
هذه المعارف العامة تجعل للناقد بصیرة نافذة أشبه بالعین السحریة التی ترى ما على الأرض وما تحت الأرض وما غاب وراء الأفق، فتلمح الطیف العابر للجمال وتدرك مدلول أكثر الرموز غموضا، وتكشف ظروف القصیدة، وتتبع خواطر الشاعر حتى طفولته.
هذه البراعة، هذه البصیرة النفاذة تمكن النقد من احتضان حركة الشعر الحدیث لا السیر فی مؤخرتها. تمكن الناقد من تقدیمها إلى القارئ على أضواء الثقافة المتعددة، كما تمكنه من فتح الطریق بموكبها المتقدم، تمكنه من تمییز الزائف من الأصیل، وعلى رأس كل ذلك تساعد الشعر فی اختباره للتقنیات الجدیدة.
النقد الذی یدرس فی الجامعات العربیة أو فی كلیات الأدب العربی، هو النقد القدیم الذی یلبس عقول المحافظین والذی ساد قبل ستمائة عام. هذا النقد یتطاول ویفرض نفسه أستاذا لجیلنا ولكن حركة أدبیة تتخطى المألوف. أما النقد الحدیث الجدیر بتفهم الحركات الحدیثة وتوجیهها وتعلیلها وتحلیل آثارها ومقارنتها بالحركات المماثلة فی العالم على ضوء المعارف والاختبارات البشریة الأدبیة منها والعلمیة، هذا النقد ما یزال ولیدا تتجل شخصیته بعد، لم تستكمل مقوماتها، لم یتجل فی مؤلف خاص، بل ما یزال مقالات فی المجلات أو آراء عابرة فی مقدمة دیوان. بالإضافة إلى أن الكتاب الذین یعتبرون النقد اتجاههم الوحید نادرون عندنا. أما معظم الذین كتبوا فی النقد وهم كثرة- فیعیش النقد على هامش حیاتهم الأدبیة، لم یعتبروا النقد رسالتهم، وحین كتبوا فی نقد الشعر الحدیث لم یستحضروا فی أذهانهم الحركة ككل، بكل ملابساتها وعوائقها ومتاعبها ومطامحها وانتصاراتها، وحین كتبوا فی النقد كان تذوقهم للشعر الرائد الأول والوحید تقریبا؛ فهم لم یكونوا ثقافتهم، لم یوجهوا مطالعاتهم وجهة النقد، لم یكن النقد هدفا رئیسیا حاضرا فی أذهانهم. وهكذا نرى أن كثیرین ممن كتبوا فی النقد، كان الشعر أو القصة أو الفلسفة محور اهتمامهم الأول. وهذا ما جعل نقدنا الحدیث یتجلى فی متفرقات هی محاولات فی النقد غیر المنهجی.
ولم یتوفر لدینا النتاج الجدی الذی یمكن أن یحمل اسم "النقد الحدیث". ولنعترف أن النقد عندنا لم یساعد حركة الشعر الحدیث كثیرا إلا فی الفترة الأخیرة، لكن الفرصة لم تفت وما یزال أمام النقد الكثیر لیعمله. وفی طلیعة هذا الكثیر، أن یسد الفجوات التی تتخلل أساسه. فقد ظل حتى الآن طفیلیا على الشعر، یعتمد فی معظمه على نقد المجموعات العشریة أو القصائد، أو یعتمد على التأریخ السریع لفترة بعینها. فلیست لدینا الدراسات التخصصیة التی تتناول ناحیة معینة من نواحی الشعر الحدیث، إلا فیما ندر. و إذا كان النقد یطمح لأن یمد الجسور بین الشعر الحدیث والقارئ فلا بد من أن یعمل على مد الجسور بین الشاعر الحدیث وتراثه. إذ لا یخفى أن الشعر الحدیث یواجه مشكلة صمیمیة هی مشكلة التراث، فإلى أیّ حضارة یمد جذوره وهل هناك تراث یمكن أن یكون خلفیة للقصیدة. هذه المشكلة من أهم ما على النقد مواجهته.
لكن أمام النقد الحدیث فی مرحلته البنائیة هذه صعوبات لعلها مسؤولة أیضا عن بعض تخلفه. من هذه الصعوبات:
أولا- أن الشعر الحدیث نفسه عبارة عن تجارب فردیة، فلیس ما یجمع بین الشعراء الحدیثین سوى نیة التجدید. بینما كل شاعر یعمل منفردا، لتجاربه الخاصة. واتجاهه الخاص.
ثانیا- عدم توفر النتاج الكافی الذی یفرض شخصیته الحدیثة. فضلا عن أن بین نتاج الشعراء الذین نعتبرهم حدیثین الكثیر من القصائد غیر الحدیثة. وكثیرا ما نسمی شاعرا حدیثا من أنتج قصیدتین حدیثتین أو ثلاثة، أی لمجرد اتجاهه نحو الحدیث. ثالثا - فی هذا الحشد من الشعر المزعوم حدیثا كثیر من القدیم الدخیل الذی یدعّی الحداثة لمجرد تلاعب جزئی بتوزیع الوزن، وأحیانا بتوزیع الأسطر. بینما یحتفظ بنظرته القدیمة إلى رسالة الشعر وإلى العالم، وفی موقفه وأسلوب التعبیر عن موقفه.
رابعا- الأوضاع السیاسیة فی العالم العربی التی تعیق التعاون بین أدباء البلاد العربیة كما تعیق الاتصال الثقافی عن طریق المجلات أو الكتب، هذا التعاون الذی یمكنه أن یساعد فی قیام حركة نقدیة ناشطة، وفی تبادل النظرات والتعلیقات.
خامسا- غموض مفهوم التراث، وغموض شخصیة التراث، وطغیان الأفكار السیاسیة على المفاهیم الحضاریة مما سبب بلبلة وخلطا فی هذا الموضوع، وجعل الكتاب ینقسمون، فمن قائل بأن تراثنا یشمل فترة معینة، ومن قائل أنه بعید الأغوار فی تاریخ هذه البقعة من العالم، إلى ثالث یراه فی تراث العالم أجمع.
قد أواجه بهذا السؤال الذی یلقی على كل من یتحدث عن القصور: وأنت ماذا فعلت؟ لا شیء غیر هذه المحاولات المتواضعة وغیر اعتبار النقد وجهة رئیسیة فی الكتابة.
المصدر : نظریة الشعر 5- مرحلة مجلة شعر، القسم الأول/ المقالات/ تحریر وتقدیم : محمد كامل الخطیب/ منشورات وزارة الثقافة - دمشق 1996 (عن) البحث عن الجذور - فصول فی نقد الشعر الحدیث، دار مجلة شعر، بیروت 1960. المدخل
لكی لا تأتی نظرتنا إلى حركة الشعر الحدیث جزئیة یجب أن ننظر إلیها كظاهرة لحركة كبیرة شاملة تشهدها حیاتنا المعاصرة تتجلى بالثورة على الأسس والمفاهیم التی استقرت علیها طویلا. لنتذكر فی هذا المجال التطور الذی لحق بوضع المرأة الاجتماعی والهزة التی أحدثها، لنتذكر أن النساء اضطررن أحیانا للتظاهر وتمزیق الحجب أمام دور الحكومة، كما اضطررن لتقبل شلالات المیاه القذرة ترشق بها وجوههن مع سیول الشتائم والاتهامات بالخروج على الدین والأخلاق. لنتذكر أیضا ما كانت علیه فكرة الحریة الشخصیة وما صارت إلیه، ولیس انتقال السلطة الفعلیة والمعنویة من أیدی المشایخ والباشوات إلى أیدی الشعب أمرا مستقلا عن هذه الحركة. كان الغنی غنیا والفقیر فقیرا لحكمة نجهلها. كان الإنسان مخلوقا مكبلا ألقی به فی هذا العالم لیمثل دورا أنیط به ثم یمضی كما جاء دون أن یكون غایة فی ذاته، دون أن تكون لإنسانیته قیمة كبیرة. كان السلطان یحكمنا بإذن الله وبإذن الله كنا له نعاجا، وكان الله حبیس المعابد. كان الإنسان یباع ویشترى لأن رجلا من الناس یملك ورقة تثبت ملكیته له. وكان الشعر سجین البحور الستة عشر یأتمر بأمر الخلیل الذی وهب یوما القدرة على تحدیده. كان الشعر ابن البدوی الأول الذی وهب وحده حریة التعبیر عن نفسه ثم حكم علینا أن نكون تابعین للموهوب الأول، لأنه لیس فی إنساننا الجدید ما یستحق أن یعبر عنه بشكل آخر.
لو أن الشعر الحدیث ثورة على الشكل وحسب لكان فقد مبرراته؛ ولكن موقف الشعر الحدیث من العالم موقف مختلف. كان الشعر العربی القدیم متفرجا على العالم اكتفى بوصف ظواهره وغنى انعكاسات هذه الظواهر السطحیة. لم یكن الشعر عنده مغامرة تطمح إلى أن "تفسر العالم وتغیره" كما یرى بدر شاكر السیاب، وإلى "أن تجعل ما یفلت من الإدراك العقلی مدركا" أو أن تكشف عن "عالم مجهول لم یعرف بعد" كما یرى أدونیس.. رسالة الشعر الیوم غیرها بالأمس.
فهذه القوة الغامضة السحریة التی أرید لها حین نشأتها أن تكون تعاویذ مبهمة، أو أحجیة، وكلاما خاصا معجزا، وسفرا شفویا (بإطار من مفاتیح التذكر) لأمجاد القبیلة أو الحزب، ثم حداء ناقة "إكلیلا للمرأة" و "تصعیدا للمواقف" هذه الأداة عینها تقفز الیوم لتكون جسرا بین واقع الإنسان المادی العلمی وبین الروح والقوى الغیبیة التی احتضرت فی هذا الزمن، بین عالمنا المكشوف وعالم الإنسان الخبیء خلف منعطفات الخیال والذاكرة.
یوم كانت للأشیاء أرواح وإرادة، یوم كان العالم مملكة الآلهة الجمیلة والشریرة، وكانت أحداثه صراعا بین هاتین القوتین، كان الشعر مبثوثا فی العالم وكان الشعراء رواة لهذا الصراع. ویوم عاد العالم تفاعلا كیماویا باهتا، یوم تقلص ظل الآلهة وعاد القمر كتلة حجریة بلا روح، والمطر تكاثفا لبخار الماء، غدا الإنسان وحیدا وسط عالم جامد، فلا آلهة تستمع صلواته وتشاركه الهم والفرح، ولا آلهة تدبر شؤون وتمطر له المنّ والسلوى أو الطیر الأبابیل، یومئذ أصبح على الشاعر أن یعید الروح إلى الأشیاء، أن یحمل قلق الإنسان وخیبته وشكوكه وتناقضات حیاته، أن یكون نبی عصره الذی یقف بین الجموع یحدث الآلهة ویوحی إلى الناس بحدیثها. ولذا نرى أدونیس یعتبر الشعر الحدیث "رؤیا"؛ أما بدر السیاب فیقول: "لو أردت أن أتمثل الشاعر، لما وجدت أقرب إلى صورته من الصورة التی انطبعت فی ذهنی للقدیس یوحنا، وقد افترست عینیه رؤیاه، وهو یبصر الخطایا السبع تطبق على العالم كأنها أخطبوط هائل".
وهكذا لم یعد الشعر خطابا یمدح السلطان، ولا "حلیة لصدر أنثى" ولا افتخارا بمآثر القبیلة. إن أحب الحدیث فلا یتغزل بعینین وثغر ونهد، بل یضعنا أمام المصیر الذی ینتزع كیانین من وحدتهما، أمام هذه التجربة الأزلیة التی تتجدد، أمام هذا القلق الفرح الدائخ الذی یجری فی العروق.
وبالطبع لا بد لهذه الرؤیا الجدیدة، لهذه المغامرة التی تخلت عن النظرة والمواقف القدیمة من أن تتخلى بالتالی عن كل الشروط الشكلیة المسبقة، لا بد لها من أن ترفض النظرة القدیمة إلى الشكل وإلى الجمال أصلا. وقد تخلى عصرنا بدوره عن كل الأشكال التزیینیة؛ تخلى عن المثال الیونانی- الرومانی للجمال الذی تجلى فی التناسق والانسجام والفخامة، تخلى عن فكرة النموذج الطبیعیة. لقد رفض الفن أن یكون آلة لا قطة،، ورفض الشعر أن یكون بناء هندسیا- صوتیا. اللوحة الحدیثة أو التمثال الحدیث نموذج فرد لرؤیة مبدعها ولیست نسخة عن نموذج جامد فی الطبیعة. لقد اقتضى منطق التطور أن یتخلى الفن عامة عن القواعد والتقنیات التی جهد عصر النهضة فی بنائها، فانطلقت القصة من أسر العقدة، وتخلى التصویر والنحت عن علم التشریح. فالشكل الحدیث عامة یتجه نحو رفض القوالب، نحو الحریة وهی غیر الفوضى.
ولنذكر أن التعقید والزخرف اللذین لحقا قوالب الشعر فی أواخر العهد العباسی كانا یرسمان الخط البیانی المنحدر الذی أوصل الشعر إلى عهد الانحطاط. التلهی بالزخارف والشكلیات كان بدایة العقم.
كان بدیلا عن الإبداع الحقیقی. ولنذكر أن عهد النهضة عندنا بدأ برفض هذه الزخارف جمیعها، وأن أذن الجمهور نفسه أصبحت تمقت السجع وتنفر منه.
عندما بدأ الشعراء یتخلون عن الأشكال القدیمة ظهر هذا التساؤل: ما هو الوزن أو الشكل الذی سیحل محل أوزان الخلیل؟ وقال قائل: المهم أن یتوصل المجددون إلى وزن ما وعندئذ سنرضى عن ثورتهم. وهذا یعنی أن العقلیة العامة تنتظر قالبا جدیدا یحل محل قالب قدیم. ثم ظهرت فئة أخرى تقول أن لتطور أوزان الخلیل حدا، وتعنی أن الشعر قد بلغ المرحلة النهائیة من التطور. وطبیعی أن هذه الأقوال والتساؤلات بعیدة عن منطق التطور.
إذن ما هو الشكل المقبل للشعر الحدیث؟
بدأت الانطلاقة الحدیثة غامضة مترددة واقتصرت فی بادئ الأمر على بعض التحول الشكلی بینما ظلت من حیث الجوهر أقرب إلى القدیم، تلمست طریقها نحو الشعر الحقیقی وسط صخب الجمهور المستنكر. وفی مدى عشر سنوات استطاعت أن تبرز وتقف على قدمین ثابتتین وأن لم تفرض شخصیتها الحدیثة حتى الآن. شهدت هذه الفترة تحولا واضطرابا ونصرا وتراجعا فیما یتعلق ببعض الشعراء. لكن الحركة ظلت ماضیة فی طریقها تبحث وتحاول أو تمد أصولها بعیدا فی تاریخ الشعر العربی، وتفید من محاولات التجدید التی انقطعت، ومن التجارب الشعریة فی العالم. فماذا حققت حتى الآن؟
أولا- كرست الطابع الإنسانی.
ثانیا- حررت الشكل من كل شرط سابق، أو قالب لأن الشكل تجسد المعنى وكیانه العضوی وهو یتبدل لیظل منسجما وملائما له.
ثالثا- هذه الحریة لا تعنی الفوضى، بل تفترض دائما شكلا معینا لكل قصیدة.
رابعا- الشكل لا یعنی الوزن والقافیة أو انعدامهما بالضرورة.
الشكل الحدیث أكثر من وزن وقافیة. هو حركة القصیدة وطریقة تكونها، وعلاقة أجزائها ببعضها، والأصوات الداخلیة فیها، أهی متقابلة، أم متتابعة، أم متجمعة حول بؤرة واحدة، ثم صورها وطبیعة الصور وأبعادها، وتراكب هذه الصور، وهی كلها من عناصر الشكل فی القصیدة الحدیثة.
خامسا- أن الإیقاع الصوتی بمعناه المعروف ضروری دائما فی القصیدة لأن القصیدة الحدیثة لیست للإنشاد أو الطرب.
سادسا- كل الكلمات شعریة إذا استعملت بشكل یعطیها دلالة جدیدة شعریة. كذلك كل أنواع المعرفة یمكن الاستفادة منها فی الشعر.
سابعا- تخلصت من الجزئیة فرفضت الحادثة وخدمة الأغراض السیاسیة أو الشخصیة أو الحزبیة، وبالتالی تخلصت من الخطابیة والتعلیمیة.
ثامنا- التعبیر غیر المباشر والاستعانة بالرموز التاریخیة لیتمكن الشعر "من التعبیر شعریا عن اللاشعر" كما یقول بدر السیاب. وسیظل الشعراء یمدون هذه العناصر بعناصر جدیدة أو یمحون منها بعضها. وعلینا أن نتهیأ باستمرار لكشوف جدیدة أخاذة تفتح فی آفاقنا رحابا جدیدة وتعلم قلوبنا مغامرات وانخطافات جدیدة.
وطبیعی أن الشعر الحدیث هذا قد ابتعد عن مدارك الجمهور الذی تسیطر علیه الأفكار المسبقة المشتركة التی تقف جدارا فی وجه حركات التجدید. بالإضافة إلى أن هذا الجمهور یجهل الرموز التاریخیة والأسطوریة، لأنه یجهل تاریخه وأساطیره. فضلا عن أن أذنه قد تربت على وقع القافیة الرتیبة والأوزان المتكررة التی تكتفی بأن تطرب أذنه. وطبیعی أن ینفر جمهور المحافظین من هذه الحركة التی تعبث باستقرار مفاهیمه وتزعزعها، وهو الذی یتشبث بقواعد الماضی وقوانینه كأنها آیات منزلة لا ریب فیها. فلا عجب إذن إن نحن رأینا الشعر الحدیث یرشق بأمثال هذه النعوت المضحكة: "مؤامرة على اللغة العربیة"، "وتهرب من صعوبة الوزن والقافیة"، "مسخ لن یكتب له البقاء"؛ فضلا عن "المؤامرة الاستعماریة" و "البورجوازیة" إلى آخر هذه التعابیر الغریبة.
لكن لا بد من إنصاف الجمهور فنعترف بأن كثرة الشعر المزعوم حدیثا واختلاط الجید بالردیء قد بلبل الأفكار وحمل الشعر الحدیث وزرا كبیرا. بالإضافة إلى القفزة التی قام بها الشعر الحدیث مبتعدا بها عن التراث الشعری العربی مخلفا بینه وبین هذا الجمهور هوة كبیرة.
فمن یزیل هذا الالتباس؟ من یمد الجسور بین الشعر الحدیث والقارئ؟
هكذا یبدو لنا أن ناقد الشعر الحدیث فی موقف حرج. فهو یقدم مجهولا إلى جماعة تتهمه مسبقا ولا رغبة لها فی التعرف إلیه ولا ثقة لها به. فما هو سلوك ناقد الشعر الحدیث والحالة هذه؟
یقول ستانلی هایمن: "عندما تتسع الهوة بنی الأدب وذوق الجمهور تصبح لمهمة الناقد التی تتطلب منه أن یكون جسرا بین الأثر الغامض والقارئ أهمیة كبیرة. أی مهمة ترجمة غموض الشاعر. حیث یقتنص لمحاته الأسطوریة ویفسرها، ویضیء الصور الغامضة ویحلل المركبة مهنا ویدرس دلالات الكلمات واقترانها، ویبین اتجاه حركات القصیدة ویسمی أصواتها ویوضح علاقة هذه الأصوات ببعضها ویشیر إلى أبعادها؛ وبالنتیجة یقدم القصیدة للقارئ مدروسة محللة وقد هتكت أستارها وبطل سحرها، وتحولت إلى موضوع مدروس، وهو ما یفقد القصیدة الحدیثة شیئا من رسالتها، ویحرم القارئ متعة الجهد والخلق، ذلك أن قراءة القصیدة الحدیثة، جهد یخلق القصیدة - الصدى، التی تولد فی مشاعر القارئ وتنمو فیها. ولكن معظم الناس یجهلون حتى قراءة القصیدة الحدیثة، لأنهم یقرأونها على ضوء النظرة القدیمة إلى الشعر، یقرأونها فیصابون بخیبة أمل عندما لا یدغدغ أذنهم صلیل القافیة ولا تفجأهم لعب التوریة والطباق والجناس، وعندما لا تتأرجح الكلمات فی دوامة الوزن . فما السبیل إلى فتح النوافذ فی نفس القارئ على عالم القصیدة؟
یبرز أمامنا منحى آخر وهو عرض نماذج للقراءة الراقیة الخالقة، القراءة- المشاركة، القراءة - المعاناة والحضور الفعلی. وهی فكرة جیدة، لكنها غیر مجدیة بالنسبة للذین لم ینفتحوا على الشعر الحدیث ویهربون من غموضه. ذلك أن نماذج القراءة هذه غالبا ما تكون أكثر غموضا من القصیدة نفسها، لأنها لیست تبسیطا بل عرض لاستجابة القارئ والأصداء التی لاقتها فی نفسه، والآفاق التی فتحتها فی هذه النفس. ولأن هذه القراءة قد توقظ كوامن الذكریات أو تثیر المشكلات وتفتح الجراح القدیمة. وهناك رد آخر على هذه الطریقة وهو أن هذه أن هذه القراءة تتضمن كثیرا من العناصر الشخصیة، مما یجعل تعمیمها متعذرا وقلیل الفائدة.
ولكن مهما تكن مزالق الطریقتین لا بد لناقد الشعر الحدیث من الأخذ بطرف من كل منهما لیؤدی مهمة الترجمة والإیصال. فیستعیض عن عرض نماذج القراءة بنموذج واحد لبعض القصائد، أو لإحدى الصور، محاولا دائما التبسیط.
هذه المعارف العامة تجعل للناقد بصیرة نافذة أشبه بالعین السحریة التی ترى ما على الأرض وما تحت الأرض وما غاب وراء الأفق، فتلمح الطیف العابر للجمال وتدرك مدلول أكثر الرموز غموضا، وتكشف ظروف القصیدة، وتتبع خواطر الشاعر حتى طفولته.
هذه البراعة، هذه البصیرة النفاذة تمكن النقد من احتضان حركة الشعر الحدیث لا السیر فی مؤخرتها. تمكن الناقد من تقدیمها إلى القارئ على أضواء الثقافة المتعددة، كما تمكنه من فتح الطریق بموكبها المتقدم، تمكنه من تمییز الزائف من الأصیل، وعلى رأس كل ذلك تساعد الشعر فی اختباره للتقنیات الجدیدة.
النقد الذی یدرس فی الجامعات العربیة أو فی كلیات الأدب العربی، هو النقد القدیم الذی یلبس عقول المحافظین والذی ساد قبل ستمائة عام. هذا النقد یتطاول ویفرض نفسه أستاذا لجیلنا ولكن حركة أدبیة تتخطى المألوف. أما النقد الحدیث الجدیر بتفهم الحركات الحدیثة وتوجیهها وتعلیلها وتحلیل آثارها ومقارنتها بالحركات المماثلة فی العالم على ضوء المعارف والاختبارات البشریة الأدبیة منها والعلمیة، هذا النقد ما یزال ولیدا تتجل شخصیته بعد، لم تستكمل مقوماتها، لم یتجل فی مؤلف خاص، بل ما یزال مقالات فی المجلات أو آراء عابرة فی مقدمة دیوان. بالإضافة إلى أن الكتاب الذین یعتبرون النقد اتجاههم الوحید نادرون عندنا. أما معظم الذین كتبوا فی النقد وهم كثرة- فیعیش النقد على هامش حیاتهم الأدبیة، لم یعتبروا النقد رسالتهم، وحین كتبوا فی نقد الشعر الحدیث لم یستحضروا فی أذهانهم الحركة ككل، بكل ملابساتها وعوائقها ومتاعبها ومطامحها وانتصاراتها، وحین كتبوا فی النقد كان تذوقهم للشعر الرائد الأول والوحید تقریبا؛ فهم لم یكونوا ثقافتهم، لم یوجهوا مطالعاتهم وجهة النقد، لم یكن النقد هدفا رئیسیا حاضرا فی أذهانهم. وهكذا نرى أن كثیرین ممن كتبوا فی النقد، كان الشعر أو القصة أو الفلسفة محور اهتمامهم الأول. وهذا ما جعل نقدنا الحدیث یتجلى فی متفرقات هی محاولات فی النقد غیر المنهجی.
ولم یتوفر لدینا النتاج الجدی الذی یمكن أن یحمل اسم "النقد الحدیث". ولنعترف أن النقد عندنا لم یساعد حركة الشعر الحدیث كثیرا إلا فی الفترة الأخیرة، لكن الفرصة لم تفت وما یزال أمام النقد الكثیر لیعمله. وفی طلیعة هذا الكثیر، أن یسد الفجوات التی تتخلل أساسه. فقد ظل حتى الآن طفیلیا على الشعر، یعتمد فی معظمه على نقد المجموعات العشریة أو القصائد، أو یعتمد على التأریخ السریع لفترة بعینها. فلیست لدینا الدراسات التخصصیة التی تتناول ناحیة معینة من نواحی الشعر الحدیث، إلا فیما ندر. و إذا كان النقد یطمح لأن یمد الجسور بین الشعر الحدیث والقارئ فلا بد من أن یعمل على مد الجسور بین الشاعر الحدیث وتراثه. إذ لا یخفى أن الشعر الحدیث یواجه مشكلة صمیمیة هی مشكلة التراث، فإلى أیّ حضارة یمد جذوره وهل هناك تراث یمكن أن یكون خلفیة للقصیدة. هذه المشكلة من أهم ما على النقد مواجهته.
لكن أمام النقد الحدیث فی مرحلته البنائیة هذه صعوبات لعلها مسؤولة أیضا عن بعض تخلفه. من هذه الصعوبات:
أولا- أن الشعر الحدیث نفسه عبارة عن تجارب فردیة، فلیس ما یجمع بین الشعراء الحدیثین سوى نیة التجدید. بینما كل شاعر یعمل منفردا، لتجاربه الخاصة. واتجاهه الخاص.
ثانیا- عدم توفر النتاج الكافی الذی یفرض شخصیته الحدیثة. فضلا عن أن بین نتاج الشعراء الذین نعتبرهم حدیثین الكثیر من القصائد غیر الحدیثة. وكثیرا ما نسمی شاعرا حدیثا من أنتج قصیدتین حدیثتین أو ثلاثة، أی لمجرد اتجاهه نحو الحدیث. ثالثا - فی هذا الحشد من الشعر المزعوم حدیثا كثیر من القدیم الدخیل الذی یدعّی الحداثة لمجرد تلاعب جزئی بتوزیع الوزن، وأحیانا بتوزیع الأسطر. بینما یحتفظ بنظرته القدیمة إلى رسالة الشعر وإلى العالم، وفی موقفه وأسلوب التعبیر عن موقفه.
رابعا- الأوضاع السیاسیة فی العالم العربی التی تعیق التعاون بین أدباء البلاد العربیة كما تعیق الاتصال الثقافی عن طریق المجلات أو الكتب، هذا التعاون الذی یمكنه أن یساعد فی قیام حركة نقدیة ناشطة، وفی تبادل النظرات والتعلیقات.
خامسا- غموض مفهوم التراث، وغموض شخصیة التراث، وطغیان الأفكار السیاسیة على المفاهیم الحضاریة مما سبب بلبلة وخلطا فی هذا الموضوع، وجعل الكتاب ینقسمون، فمن قائل بأن تراثنا یشمل فترة معینة، ومن قائل أنه بعید الأغوار فی تاریخ هذه البقعة من العالم، إلى ثالث یراه فی تراث العالم أجمع.
قد أواجه بهذا السؤال الذی یلقی على كل من یتحدث عن القصور: وأنت ماذا فعلت؟ لا شیء غیر هذه المحاولات المتواضعة وغیر اعتبار النقد وجهة رئیسیة فی الكتابة.
المصدر : نظریة الشعر 5- مرحلة مجلة شعر، القسم الأول/ المقالات/ تحریر وتقدیم : محمد كامل الخطیب/ منشورات وزارة الثقافة - دمشق 1996 (عن) البحث عن الجذور - فصول فی نقد الشعر الحدیث، دار مجلة شعر، بیروت 1960. المدخل
+ نوشته شده در چهارشنبه ۱۳۸۹/۰۲/۲۹ ساعت 19:16 توسط شاهسونی (دکترای زبان و ادبیات عربی)
|