ثورة الإمام الحسين «ع» ومعطياتها العاطفية والثقافية

ثورة الإمام الحسين «ع» ومعطياتها العاطفية والثقافية

السيد عبد الكريم الحسيني القزويني  

إن الزخم العطائي لثورة الإمام الحسين عليه السلام عطاء مستمر ودائم، على مختلف العصور والدهور والأجيال، فهي بمثابة المشعل الذي ينير الدرب للثائرين، في سبيل رسالة الحق، الرسالة الإسلامية الخالدة. وفي نفس الوقت تحرق الهياكل الوهمية المزيفة التي بنت دعائمها على عروش وكراسي من الشمع، سرعان ما تذوب بحرارة الثورة الحسينية المقدسة.
وهذا العطاء الدائم المستمر للثورة، طالما غذّى الغصون الإسلامية، حتى نمت وترعرعت ببركة ثورة أبي الشهداء الحسين(ع) الخالدة. فهي كانت ولا تزال وستكون نبراساً لكل إنسان معذب ومضطهد على وجه هذه الأرض، وهي الأمل المنشود لكل الناس الخيرين، الذين يدافعون عن حقهم في العيش بسلام وأمان.
فهذه القرون تأتي وتذوب قرناً بعد قرن، كما تذوب حبة الملح في المحيط. وهذا الحسين اسمه باق في القلوب وفي الأفكار والضمائر، فهو أكبر من القرون وأكبر من الزمن، لأنّه عاش لله، وجاهد في سبيله، وقتل في رضوانه. فهو مع الله والله معه، ومن كان الله معه فهو باق. وإن ثورة الإمام الحسين عليه السلام قد تمخضت وكشفت عن جانبين مهمين هما:

1- الجانب العاطفي للثورة

وهي الثورة الوحيدة في العالم، التي لو تسنّى لكل فرد مهما كان معتقده وفكرته أن يقرأ مسرحيتها بكل أبعادها وتفاصيلها، لما تمكّن من أن يملك دمعته وعبرته. وكما هو المعروف الآن في البلاد غير الإسلامية كالهند وبعض الدول في أفريقيا حيث يقرأ بعض أبنائها ملحمة واقعة الطف في كربلاء، فإنهم لا يملكون إلاّ أن يجهشوا بالبكاء، وقد يؤدي أحياناً إلى ضرب الصدور لا شعورياً، لأنها مأساة أليمة تتصدع القلوب لهولها ومصابها.
وذلك كما وصفها المؤرخ الانجليزي الشهير (جيبون) بقوله: «إن مأساة الحسين المروّعة، بالرغم من تقادم عهدها، وتباين موطنها، لابدّ أن تثير العطف والحنان في نفس أقل القرّاء إحساساً وأقساهم قلباً» (راجع: تاريخ العرب، السيد مير علي، ترجمة رياض رأفت: 74، طبع مصر، سنة 1938م).
وأكثر من هذا، إنه قد روي: إنّ الذين قاتلوا رجال الثورة لم يملكوا أنفسهم من البكاء، فهذا (عمر بن سعد) قائد الجيش الأموي في كربلاء، يبكي عندما نادته زينب بنت علي (عليها السلام) قائلة له: «يابن سعد! أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟ فصرف وجهه عنها ودموعه تسيل على لحيته (انظر الكامل في التاريخ، ابن الأثير 3: 295، تاريخ الطبري 4: 245).
وقيل أيضاً: إنّ الأعداء بعد قتل الحسين عليه السلام، هجموا على عياله يسلبونهم وهم يبكون. فجاء رجل إلى فاطمة بنت الحسين وأراد سلبها وهو يبكي، فقالت له: لماذا تسلبني إذن؟ فقال لها: أخاف أن يأخذه غيري (سير أعلام النبلاء، الذهبي 3: 204).
وكيف لا تكون كذلك، وهي المأساة التي أدمت قلب الإنسانية، وأقرحت جفونها، تألّماً وتأثّراً، لأنّ فيها قتل الشيخ الطاعن في السنّ، الذي جاوز السبعين، وقتل فيها الكهل، وهم الغالبية من أصحاب الحسين. وفيها الفتى الذي جاوز الحلم أو لمّا، من بني هاشم وأقمارهم، وفتيان أصحابهم. وفيها الطفل الرضيع والمرأة العجوز. وفيها التمثيل بأجساد الشهداء، ورضّها بحوافر الخيل، وقطع رؤوسها. وحرمان النساء والأطفال من الماء، ونهب الخيام وحرقها. وسَوْق بنات رسول الله سبايا من بلد إلى بلد، يتصفح وجوههن القريب والبعيد.. وإلى ما هنالك من المآسي والآلام التي حلّت بشهداء هذه الثورة.

2- الجانب العقائدي للثورة

إذا أردنا دراسة هذا الجانب، فلم نعرف أنّ ثورة في التاريخ عرفت بعقائديتها بهذا اللون من الإعتقاد، والتفاني من أجله، كثورة الحسين عليه السلام.
والإنسان لا يمكن له أن يعرف المستوى العقائدي لثورة من الثورات، إلاّ أن يدرس النصوص والوثائق لقادة هذه الثورات وأنصارها.
وثورة الإمام الحسين عليه السلام بلغت في عقائديتها الذروة العليا في الوعي والعمق، لدى قائدها وأتباعه وأنصاره. فهي لم تختلف وعياً في جميع أدوراها، منذ أن أعلنت حتى آخر نفس من حياة رجالها، على مختلف المستويات الثقافية والإدراكية لرجالها.
فهذا الشيخ الكبير يحمل نفس الوعي للثورة الحسينية، الذي يحمله الكهل والفتى، وحتى الذي لم يبلغ الحلم، يحمل نفس الروح لدى رجالها وأبطالها.
فلو تصفّحنا الوثائق الأولى لقائد هذه الثورة الحسين عليه السلام، لرأيناها تحمل نفس روح الوثائق التي قالها الحسين عليه السلام في آخر حياته فهي:
أ- الثورة على حكم يزيد بن معاوية.
ب- إقامة الشريعة الإسلامية وتطبيقها مقام المخالفات التي أشاعها الحاكم آنذاك.
فثورة الإمام الحسين عليه السلام هدفت في قيامها هذين الخطين: تغيير الجهاز الحاكم، وتطبيق الشريعة الإسلامية.
أ- تغيير الجهاز الحاكم: فالإمام الحسين لم يقصد من ثورته على الحكم تغيير يزيد بن معاوية بالذات، لأن يزيد أموي، فتكون ثورته ثورة قبلية كما يصورها البعض ويعتقد بأنّ الخصومة بين الهاشميين والأمويين، كانت مستمرة منذ قرون قبل الإسلام وبعده، ولهذا خرج الحسين عليه السلام على يزيد. بل الإمام الحسين عليه السلام علل ثورته على حكم يزيد في بعض خطبه وبياناته. ويتضح ذلك جلياً ممّا جاء في الوثيقة، التي خطبها الحسين عليه السلام أمام أول كتيبة للجيش الأموي: «أيها الناس! إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرام الله، ناكثاً لعهده، مخالفاً لسنة رسوله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر ما عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله» (انظر الوثيقة رقم 58 من هذا الكتاب).
حيث علّل عليه السلام خروجه على سلطان يزيد، لأنّه سلطان جائر، يحكم الناس بالإثم والعدوان، وذلك مخالف للشريعة الإسلامية، ولسنّة النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، فلهذا خرج عليه.
فهكذا نجد الإمام عليه السلام يعلل ثورته على يزيد، لأنّه رجل فاسق، شارب للخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن للفسق. وهذه الصفات لا تتفق مع شروط الخلافة، فلهذا أعلن الحسين عليه السلام ثورته على حكمه. فثورته ليست ثورة قبلية ولا عنصرية، كما يتوهم البعض.
ب- تطبيق الشريعة الإسلامية: وهذا هو من أهم أهداف الحسين عليه السلام، من ثورته على الحكم، حيث عرض نفسه وأهل بيته وأصحابه، للقتل والسلب والنهب، من أجل هذا الهدف المقدس.
فالحسين لم تكن غايته الرئيسية من خروجه، تَسلُّم زمام الحكم فحسب، بل إنما هو يعتبِر الاستيلاء على الحكم وسيلة لتطبيق أحكام الشريعة، لا غاية بذاتها.
ولا أيضاً بدافع العامل الاقتصادي كما يذهب إليه البعض من أنها نتيجة لظروف اقتصادية معينة، دفعت بالحسين إلى ثورته.
وليس أيضاً بصحيح ما يقوله البعض: من أنّها نتيجة مرحلة زمنية اقتضتها التطورات التاريخية آنذاك، بل الدافع الرئيس الوحيد للإمام الحسين عليه السلام، هو تطبيق الشريعة الإسلامية والمحافظة عليها، وإن أدى ذلك إلى سفك دمه.
ويسند قولنا هذا، ما جاء في بعض نصوص خطبه ورسائله مثل:
1- «ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمان، وأظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله» (تاريخ الطبري ج4 ص304).
2- «وقد بعثت إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيه، فإنّ السنّة قد أُميتت، والبدعة قد أُحييت» (تاريخ الطبري ج4 ص266).
3- «ألا ترون إلى الحق لا يُعمل به، والى الباطل لا يُتناهى عنه» (مثير الأحزان لابن نما الحلي ص31).
4- «وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدي صلى الله عليه وآله وسلم، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي» (بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج44 ص330).
فإنّ هذه المقتطفات من خطب ورسائل الإمام الحسين عليه السلام، لهي نصوص صريحة واضحة، لا شبهة ولا غموض فيها، لبيان غرضه وهدفه عليه السلام.
فإنها جميعاً تدل على أنّ الحكم القائم آنذاك، كان يعمل بكل قواه، على تقويض الشريعة الإسلامية من جذورها، بإشاعة المنكر والباطل، ومخالفة الكتاب والسنة «فإنّ السنّة قد أُميتت، والبدعة قد أُحييت».
والحسين عليه السلام لم يخرج لغير مقاومة المنكر والباطل، وإحياء السنّة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يطلب الحكم والمنصب قط، لأنّه من أهل بيت النبوة، الذين لم يأتوا للملك إلاّ أن يقوّموا المعوّج، ويدعوا إلى الحق، ويدفعوا الباطل.
فهذا جدّه رسول الله محمّد صلى الله عليه وآله وسلم في بداية دعوته، عَرضت عليه رجالات قريش الملك والسيادة والمال، على أن يترك دعوته وقول الحق، فأبى صلى الله عليه وآله وسلم، وقال لعمه أبي طالب عليه السلام: «يا عمّاه! لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته» (انظر تاريخ الكامل، ابن الأثير 2: 43).
وهذا أبوه علي بن أبي طالب عليه السلام القائل: «اللّهم إنك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا، منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنردّ المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك» (نهج البلاغة، محمّد عبدة 2: 19).
وقد عرضت عليه الخلافة في قضية الشورى بشروط، فأبى عليه السلام، لئلا يخالف الشروط التي لا يرتضيها. في حين أن الخلافة الإسلامية في وقتها، كانت الدنيا بأسرها، وخصوصاً بعد أن انهارت دولة الروم والفرس. فعلي عليه السلام أبى أن يقبلها مع أهميتها في مقابل أن لا يخالف شرطاً، فرفض الدنيا بأسرها في رفضه إياها، إزاء عدم مخالفة شرط واحد.
وهذا أيضاً سفير الحسين عليه السلام مسلم بن عقيل، بعثه عليه السلام إلى الكوفة لأخذ البيعة من أهلها، وجاء عبيد الله بن زياد ودخل الكوفة، فذهب مسلم إلى دار هاني بن عروة، وكان في داره شريك بن الأعور مريضاً، فأراد ابن زياد عيادة شريك في دار هاني، فاتفق شريك مع مسلم أن يقتل عبيد الله، عندما يأتي لعيادته، والإشارة بينهما رفع شريك عمامته.
ثم جاء ابن زياد ودخل على شريك، ومسلم مختبئ في الخزانة، فأخذ شريك يرفع عمامته مراراً، فلم يخرج مسلم، وقال: اسقنيها ولو كان فيها حتفي. فقال ابن زياد: إنه يخلط في علته، ثم خرج من دار هاني.
فخرج مسلم، وقال له شريك: ما منعك منه؟ فقال مسلم: تذكرت حديث علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الإيمان قيد الفتك، فلا يفتك مؤمن» (مقتل الحسين عليه السلام، عبد الرزاق المقرم: 246، الكامل، ابن الأثير 3: 270).
فلو كان مسلم يريد الإمارة والملك، لخرج وفتك بإبن زياد وأراح الأمة من شره، ولكنّه يخشى على إيمانه وعقيدته، لأنّ الإيمان قيد الفتك، والمؤمن لا يفتك.
وهكذا لو أردنا أن نستعرض أهل البيت(عليهم السلام)، لرأيناهم لا ينشدون ملكاً ولا سلطاناً بالذات، وإنّما غايتهم من الحكم هي تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وتركيز دعائمها.
فلهذا نرى الإمام الحسين عليه السلام يقول: «وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي صلى الله عليه وآله وسلم، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي».
فهذه هي سيرة جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسيرة أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام.

 

اختصاص علم التاویل الکامل باهل البیت (ع)

يرى الآملي أنّ الإنسان لكي يتوفّر على حقائق القرآن وتأويله، لابدّ أن تتحقّق بينه وبين تلك الحقائق مناسبة وسنخية، ولمّا كانت تلك الحقائق أسراراً إلهية منزّلة من عالم القدس والطهارة، فلابدّ أن تكون النفوس المستلهمة منه والأوعية التي تقع فيها مطهّرة كذلك. قال: اعلم أنّ أسرار القرآن وحقائقه أسرار إلهية وحقائق ربّانية، منزّلة من عالم القدس والطهارة على النفوس المقدّسة الطاهرة والذوات الشريفة المنزّهة، لقوله: (إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إلاّ الْمُطَهَّرُونَ)1 ولقوله: (كَلاّ إنَّها تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بـِأيْدِي سَفَرَةٍ * كِرامٍ بَرَرَةٍ)2. فلا يكون لها نزول ولا ظهور إلاّ في نفوس كاملة وذوات طاهرة من الذنب والمعاصي المعبّر عنها بالرجس، لقوله تعالى: (الْخَبـِيثاتُ لِلْخَبـِيثِينَ وَالْخَبـِيثُونَ لِلْخَبـِيثاتِ والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبـينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ)3. وقد أكّد الآملي أنّ هذه الطهارة التي أشارت إليها الآيات لم تتحقّق إلاّ في الأنبياء والرسل والأئمّة والأولياء؛ قال: (وليس هذه النفوس الطاهرة والذوات الكاملة إلاّ للأنبياء والرُّسل، وبعدهم لهؤلاء الأئمّة التابعين لهم على قدم الصدق والطهارة من أرباب التوحيد. من هنا قلنا ونقول: إنّ الراسخين في العلم على الإطلاق هم الأنبياء ثمّ الرُّسل، ثمّ الأولياء، ثمّ الأئمّة، ثمّ العلماء الورثة المسمّين بأرباب التوحيد، حتّى لا يدخل أحد آخر في هذا الحكم بغير الحقّ، لأنّ الدخول في هذا مشروط بشرط الطهارة الذاتية، وليس هذا إلاّ لأهل التوحيد، فلا يدخل فيهم غيرهم). ولم يبيّن القرآن مصداقاً للمطهّرين إلاّ أهل البيت عليهم السلام حيث قال: (إنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)4. وهي صريحة في (طهارة أهل البيت وتقدّسهم وتنزّههم من الذنب والمعصية، لأنّ هذا الرجس لا يخلو من وجهين، إمّا أن يكون بمعنى الكفر والشرك، وإمّا أن يكون بمعنى الذنب والفسق. فإن كان بالمعنى الأوّل فطهارتهم وتنزّههم من ذلك معلوم بالضرورة، وإن كان بالمعنى الثاني، فلو لم يكونوا طاهرين منه، مطهّرين عن أمثاله، لا يصدق عليهم الطهارة، لأنّ الذنب والفسق من أقذر النجاسات وأنجسها، وقد شهد الحقّ بطهارتهم منه، فيجب أن يكونوا طاهرين بالضرورة، وإلاّ يلزم الخلاف في قول الله تعالى، وذلك مستحيل). ولم يكتف الآملي بما تقدّم لإثبات دعوى اختصاص التأويل بأهل البيت عليهم السلام، وإنّما حاول أن يدلّل على ذلك من خلال جملة من الآيات والروايات بالطريقة التي يفهمها. قال تعالى وفي مقام إثبات أنّ الأنبياء والأئمّة هم أولو الأمر والتأكيد على عصمتهم: (يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بـِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأحْسَنُ تَأْوِيلاً)5، وقال أيضاً: (وَإذا جاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الْخَوْفِ أذاعُوا بـِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإلى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبـِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلاّ قَلِيلاً)6. يعقّب الآملي على هاتين الآيتين بقوله: (بيان ذلك هو أنّ الوليّ المشار إليه وإلى متابعته وجوباً، إمّا أن يكون شخصاً معيّناً أو أشخاصاً معيّنين، أو يكون المراد به السلاطين الصورية كما هو رأي بعض الناس. فإن كان الأوّل يجب أن يكون هذا الشخص المشار إليه معيّناً في زمان الرسول صلّى الله عليه وآله، وإلاّ يلزم هناك الأمر بالإجمال والإهمال من غير تحقيق وتعيين، وهذا عبثٌ منه، والعبث على الله تعالى محال; لأنّ الناس إذا لم يكن لهم علمٌ بوجود وليّ الأمر هذا، فكيف يطيعونه، ومتابعة المجهول من جميع الوجوه مستحيلة) وبمقتضى اللطف (فإنّه يجب تعيينه، فإذا عُيّن فإمّا أن يكون واحداً أو جماعةً أو كلّ الأُمّة…) (ومحال أن يكون الأُمّة كلّها، لأنّ الكلّ لا يقدر أن يطيع الكلّ، وهو بعد ممتنع، وإن كان واحداً، فذلك الواحد…). فيثبت بذلك المطلوب، وهو أنّ أهل الذكر هم المعصومون من أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله. ثمّ بعد أن يستعرض مجموعة من الآيات لتأكيد اختصاص التأويل بهؤلاء يقول: (فإذا تقرّرت هذه القواعد، وتحقّقت هذه الضوابط فلابدّ أن يكون أولو الأمر هؤلاء معصومين، وأنّه تجب متابعتهم وطاعتهم والاستفادة منهم لقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)7، وهذا دليل واضح على وجوب الرجوع إليهم، ولقوله تعالى: (وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ)8. وهذا دليل واضح على أنّ أهل الذكر هم آل النبيّ، إذ الذكر إشارة إلى القرآن بالاتّفاق، وبناءً على هذا فالسؤال حقّ السؤال فيما يرتبط بفهم القرآن وعلمه لا يجوز أن يلقى إلاّ عليهم أو يتوجّه به إلاّ إليهم)9.  وبهذا يثبت عند الآملي أنّ الراسخ من أهل البيت لا يحكم إلاّ بما أنزل الله ـ والحكم هنا بمعنى التعليم ـ لأنّه (الراسخ في العلم الإلهي والأوضاع النبويّة، وهو يحكم بحسب الظاهر والباطن على مجموع القرآن ظاهراً وباطناً إلى أن يصل إلى السبعة أبطن، فإنّ ذلك كلّه مخصوص بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله بأهل بيته وذرّيته)10.
وأمّا أقوال النبيّ صلّى الله عليه وآله في خصوص ذلك فكثيرةٌ لا تكاد تحصى؛ منها قوله صلّى الله عليه وآله: إنّي تاركٌ فيكم الثقلين; كتاب الله وعترتي أهل بيتي، حبلان متّصلان لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً. ثمّ يستطرد الآملي في نقل الأقوال عن أهل البيت عليهم السلام أنفسهم والتي تدلّ على اختصاص التأويل بهم:
منها: ما جاء عن علي أمير المؤمنين عليه السلام: أين الذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا، كذباً وبغياً علينا، أنْ رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يُستعطى الهدى، ويُستجلى العمى، إنّ الأئمّة من قريش غُرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم11.
ومنها: ما عن عليّ عليه السلام أيضاً: فأين تذهبون؟ وأنّى تؤفكون؟ والأعلام قائمة، والآيات واضحة، والمنار منصوبة، فأين يتاه بكم! وكيف تعمهون وبينكم عترة نبيّكم! وهم أزمّة الحقّ، وأعلام الدِّين، وألسنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن، ورِدُوهم ورود الهيم العطاش. أيّها الناس، خذوها عن خاتم النبيّين صلّى الله عليه وآله: (إنّه يموت من مات منّا وليس بميّت، ويبلى من بلي منّا وليس ببال) فلا تقولوا بما لا تعرفون، فإنّ أكثر الحقّ فيما تنكرون12. ويطيل الآملي هنا في معالجة هذه القضية من وجهة مدرسة أهل البيت عليهم السلام13. (ويستعيد إرثاً شيعيّاً معروفاً في هذا الصدد، ويسترجح نفس الأدلّة والأقوال والحجج التي استعان بها المنظّرون الشيعة، لتأكيد النصّ على الإمامة وانحصارها في أهل البيت عليهم السلام. ولن تختلف معالجة الآملي لهذه الحجج والأدلّة عن معالجة غيره. إنّه مذهبيّ بامتياز، بمعنى أنّه يعود إلى حياض انتمائه المذهبي، ويتترّس وراء موروثه ، مستفيداً منه في رسم صورة رؤيته الصوفية لمسألة التأويل والقيّمين عليه.
وكيف كان، فالآملي يرى أنّ الأوصاف التي مرّ ذكرها، وأشار إليها القرآن، ودلّل عليها النبيّ صلّى الله عليه وآله لا تليق إلاّ بهؤلاء، ولا تناسب إلاّ كمالهم)14. (وبناءً عليه فلا يصدق اسم الرسوخ إلاّ عليهم، ولا يجوز أخذ التأويل إلاّ منهم، وممّن تابعهم على قدم الصدق والاستقامة. ومن تخلّف عنهم في خصوص القرآن وأسراره الحقيقيّة، غرق في بحر الهلاك والضلال والجهل والشفاء، ومن هذا وجبت متابعتهم والاقتداء بهم في الكلّ)15. ويرى الآملي أنّ من أدلّة اختصاص التأويل بأهل البيت عليهم السلام، تأكيد ثبوته لخاتم الأولياء مقيّداً أي المهدي المنتظر عليه السلام، وافتراض أنّ عصره هو عصر التأويل على ما هو عليه، وفي أجلى صوره وأوضح معانيه. يقول مركّزاً على هذه الفكرة. (فلو لم يكن مخصوصاً بهم وبتابعيهم، لم يكن الله تعالى يقيّد التأويل بالإمام المنتظر منهم المسمّى بالمهدي في قوله: (وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بـِكِتاب فَصَّلْناهُ عَلى عِلْم هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْم يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بـِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ)16. فزمان المهدي إذاً يقتضي ظهور التأويل على ما هو عليه، وظهور الشريعة على ما ينبغي، ورفع المذاهب والملل بحيث لا يبقى إلاّ مذهب واحد ودين واحد، كما أشار إليه الحقّ تعالى في قوله: (يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئوُا نُورَ اللهِ بـِأفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إلاّ أنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بـِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)17، ولقد أُشير إلى هذا اليوم بخبر منسوب إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول فيه: قال عيسى عليه السلام: نحن نأتيك بالتنزيل، وأمّا التأويل فسيأتي به الفارقليط في آخر الزمان18. والفارقليط بلسانهم هو المهدي عليه السلام، فيكون تقديره أنّه سيأتيكم بتأويل القرآن وتحقيقه كما جئنا بتفسير القرآن وتنزيله، لأنّ للقرآن ظاهراً وباطناً، وتأويلاً وتفسيراً ومحكماً ومتشابهاً وغير ذلك من الأحكام)19.
وكيف كان فلقد عقّب الآملي على هذا السرد بقوله: (إنّ الغرض من كلّ ذلك هو إثبات أنّ التأويل حقّ التأويل بعد أجداده الطاهرين مخصوص به وبزمانه)20
آیت الله سید کمال حیدری 
ـــــــــــــــــ
(1) الواقعة: 77ـ 79.
(2) عبس: 11 ـ 16.
(3) النور: 26.
(4) الأحزاب: 33.
(5) النساء: 59.
(6) النساء: 83. .
(7) النحل: 43.
(8) الزخرف: 44.
(9) تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم: ج1 ص427 ـ433، بتصرّف.
(10) المقدّمات من كتاب نصّ النصوص في شرح فصوص الحكم، سيّد حيدر الآملي، مع تصحيحات: هنري كربين، پروفسوردسربن، عثمان إسماعيل يحيى، طهران: 1974: ص37.
(11) نهج البلاغة: الخطبة 144، تحقيق: الدكتور صبحي الصالح.
(12) نهج البلاغة: الخطبة: 87 . تحقيق الدكتور صبحي الصالح .
(13) تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم: ج1 ص434ـ440.
(14) العرفان الشيعي: ص734.
(15) تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم: ج1 ص432.
(16) الأعراف: 52 ـ 53.
(17) التوبة: 32ـ 33.
(18) عوالي اللآلي العزيزية في الأحاديث الدينيّة: ج4 ص124.
(19) جامع الأسرار ومنبع الأنوار، مع رسالة نقد النقود في الوجود، السيّد حيدر الآملي: ص104، مع تصحيحات: هنري كربين وعثمان إسماعيل يحيى.

(20) تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم: ج1 ص464.