في ذكرى اقتران النورين الإمام علي من فاطمة الزهراء (عليهما السلام)..

الإمام الصادق «ع»: «لولا أنّ الله خلق أمير المؤمنين لفاطمة ما كان لها كفؤ على الأرض»

أسعد الله أيامنا وأيامكم بذكرى زواج النور من النور زواج الإمام علي من السيدة فاطمة الزهراء (عليهما السلام) والتي تصادف اليوم الأول من شهر ذي الحجة، فهنيئاً لنا ولكم بهذه المناسبة وكل عام والموالون بخير بهذه المناسبة العطرة.

زواج فاطمة(ع):

بلغت فاطمةُ(ع) سنَّ الرشد، وآن لها أن تنتقل إلى بيت الزوجية، فخطبها كثير من الصحابة، وكان رسول الله(ص) يردّ الخاطبين قائلاً: إنني أنتظر في أمرها الوحي، وجاء جبريل يخبره بأن الله قد زوّجها من علي(ع).
وهكذا تقدم علي(ع)، والحياء يغمر وجهه، إلى خطبة فاطمة(ع) .
فدخل رسول لله(ص) على فاطمة ليرى رأيها وقال لها:
(يا فاطمة إن علي بن أبي طالب من قد عرفْتِ قرابته وفضْله وإسلامه، وإني قد سألتُ ربّي أن يزوِّجكِ خيْرَ خلْقه وأحبَّهم إليه، وقد ذكر من أمرك شيئاً فما ترين؟).
سكتت فاطمة وأطرقت برأسها إلى الأرض حياء، فهتف رسول الله: (الله أكبر! سكوتها رضاها).

قدر مهر الزهراء(ع):

اختلفت الروايات في قدر مهر الزهراء(ع)، والمشهور أنّه كان خمسمائة درهم من الفضّة؛ كما ثبت ذلك من طريق أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، والخمسمائة درهم تساوي 250 مثقالاً من الفضّة تقريباً.

جهاز الزهراء(ع):

جاء الإمام علي(ع) بالدراهم -مهر الزهراء(ع)- فوضعها بين يدي رسول الله(ص)، فأمر(ص) أن يجعل ثلثها في الطيب، وثلثها في الثياب، وقبض قبضة كانت ثلاثة وستين لمتاع البيت، ودفع الباقي إلى أُمّ سلمة، فقال: «أبقيه عندك».
وليمة العرس:

قال الإمام علي(ع): «قال لي رسول الله(ص): يا علي، اصنع لأهلك طعاماً فاضلاً، ثمّ قال: من عندنا اللحم والخبز، وعليك التمر والسمن. فاشتريت تمراً وسمناً، فحسر رسول الله(ص) عن ذراعه، وجعل يشدخ التمر في السمن حتّى اتّخذه خبيصاً، وبعث إلينا كبشاً سميناً فذُبح، وخبز لنا خبزاً كثيراً.
ثمّ قال لي رسول الله(ص): اُدع من أحببت. فأتيت المسجد وهو مشحن بالصحابة، فاستحييت أن أشخص قوماً وأدع قوماً، ثمّ صعدت على ربوة هناك وناديت: أجيبوا إلى وليمة فاطمة، فأقبل الناس أرسالاً، فاستحييت من كثرة الناس وقلّة الطعام، فعلم رسول الله(ص) ما تداخلني، فقال: «يا علي، إنّي سأدعو الله بالبركة».
قال علي(ع): «وأكل القوم عن آخرهم طعامي، وشربوا شرابي، ودعوا لي بالبركة، وصدروا وهم أكثر من أربعة آلاف رجل، ولم ينقص من الطعام شيء، ثمّ دعا رسول الله(ص) بالصحاف فملئت، ووجّه بها إلى منازل أزواجه، ثمّ أخذ صحفة وجعل فيها طعاماً، وقال: هذا لفاطمة وبعلها».

مراسم العقد والزواج:

جاء رسول الله(ص) وأخذ بيد علي(ع) وقال: (قم بسم الله وقل على بركة الله، ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله، توكلّت على الله)، ثمّ قاد علياً(ع) وأجلسه عند فاطمة(ع) وقال: (اللهم إنّهما أحبّ خلقك إليّ فأحبّهما وبارِكْ في ذُرّيتهما واجعل عليهما منك حافظاً وإنّي أعيذهما وذرِّيتهما من الشيطان الرجيم).
ثم قبّلهما مُهنّئاً وقال: (يا علي نِعم الزوجة زوجتك)، وقال لفاطمة: (يا فاطمة نِعم البعل بعلكِ).
ووسط زغاريد النسوة من المهاجرين والأنصار وبني هاشم وُلدت أطهر وأمثل أسرة في التاريخ، لتكون نواة لأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
وقد تمّت مراسم العقد والزواج ببساطة تعكس سماحة الإسلام، فقد كان علي(ع) لا يملك من دنياه شيئاً غير سيفه ودرعه، فأراد أن يبيع سيفه، فمنعه رسول الله لأن الإسلام في حاجة إلى سيف علي، ولكنه وافق على بيع الدرع، فباعه علي(ع) ودفع ثمنه إلى النبي(ص).
أمر رسول الله أن يشتروا بثمنه طيباً وأثاثاً بسيطاً يسدّ حاجة الأسرة الجديدة. كان المنزل هو الآخر بسيطاً جداً يتألّف من حجرة واحدة إلى جانب مسجد النبي(ص).
الله وحده الذي يعلم مدى الحب الذي كان يربط بين القلبين الطاهرين، قلب علي(ع) وقلب فاطمة(ع)، كان حبهما لله وفي سبيل الله. كانت فاطمة تقدّر في نفسها جهاد علي ودفاعه عن رسالة الإسلام.. رسالة أبيها العظيم. كان زوجها يقاتل في الخطوط الأولى يحمل راية الإسلام في كل المعارك والحروب التي خاضها المسلمون ولا يكاد يفارق أباها رسول الله(ص).
فكانت تسعى إلى خدمة زوجها والتخفيف من معاناته وهمومه، وكانت نِعم الزوجة المطيعة، وكانت تنهض بأعباء المنزل فإذا جاء زوجها وجَد في ظلالها الراحة والطمأنينة والسلام.
كانت فاطمة شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، نمَتْ في نور الوحي وترعرعت في فضاء القرآن.
الأسرة المثال:

الحياة الزوجيةُ اندماج لحياتين لتصبح حياةً مشتركة.. حياة واحدة. حياة الأسرة تنهض على التعاون والمحبّة والإحترام.
وكانت حياة علي وفاطمة (عليهما السلام) مثالاً للحياة الزوجية الكريمة.
كان علي يساعد فاطمة في أعمال المنزل وكانت فاطمة تسعى إلى إرضائه وإدخال الفرحة في قلبه. كان حديثهما في منتهى الأدب والإحترام.
إذا نادى علي فاطمة قال: يا بنت رسول الله، وإذا خاطبتْه قالت: يا أمير المؤمنين. وكانا مثال الأبوين العطوفين على أبنائهما.

بركة عقد الزهراء(ع):

صلى رسول الله(ص) بالمسلمين ذات يوم، ولما فرغ من صلاته، جلس في مصلاه والناس حوله، فبينما هم كذلك اذ أقبل اليه طاعن في السن فقير الحال وهو لا يكاد يتمالك كبراً وضعفاً.
فقال: يا نبي الله أنا جائع الكبد فأطعمني وعاري الجسد فاكسني وفقير فارشدني.
ولم يجد النبي(ص) شيئاً ينفقه عليه فقال: ما أجد لك شيئاً ولكن الدال على الخير كفاعله.
يا بلال قم فقف به على منزل فاطمة. فإنطلق الاعرابي مع بلال، فوقف على باب فاطمة ونادى بأعلى صوته: السلام عليكم يا أهل بيت النبوة.. ثم حكى لها قصته.
ولم تكن فاطمة ولا زوجها ولا أبوها قد طعموا طعماً خلال ثلاث ليال. فعمدت الزهراء(ع) على ما بها من الجوع أن تستجيب لهذا الشيخ الفقير الى عقد كان في عنقها أهدته لها فاطمة بنت عمها حمزة بن عبد المطلب، فقطعته من عنقها وأعطته الى الاعرابي فقالت: خذه وبعه عسى الله أن يعوضك ماهو خير منه.
فأخذ الاعرابي العقد وانطلق مسروراً الى مسجد رسول الله(ص) والنبي(ص) جالس مع اصحابه فقال: يارسول الله اعطتني فاطمة هذا العقد وقالت بعه عسى الله يصنع لك.
فلما سمع رسول الله(ص) كلام الاعرابي، بكى وقال: اعطتك اياه فاطمة بنت محمد سيدة بنات آدم.
فعرض الشيخ العقد للبيع. فقال عمار بن ياسر (رض): بكم العقد يا أعرابي؟
فقال الاعرابي: بشبعة من الخبز واللحم، وبردة يمانية أستر بها عورتي وأصلي فيها لربي، ودينار يبلغني الى أهلي.
وكان عمار (رض) قد باع سهمه الذي أعطاه رسول الله(ص) من خيبر فقال: للاعرابي لك عشرون ديناراً ومائة درهم وبردة يمانية وراحلتي تبلغك اهلك وتشبعك من الخبز البر واللحم.
ففرح الاعرابي بما سمع بذل عمار في شراء العقد وشكره على ذلك ثم رخى يده داعياً، فقال: اللهم أعط فاطمة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. فقال رسول الله(ص): آمين.
فعمد عمار الى العقد فطيبه بالمسك، ولفه في بردة يمانية، وكان له عبد اسمه (سهم) ابتاعه من ذلك السهم الذي أصابه بخيبر، فدفع العقد الى المملوك وقال له: خذ هذا العقد فادفعه الى رسول الله(ص) وأنت له. فأخذ المملوك العقد فأتى به رسول الله(ص) أخبره، بقول عمار (رض)، فقال رسول الله(ص): انطلق الى فاطمة فادفع اليها العقد وأنت لها.
فجاء سهم بالعقد وأخبرها بقول رسول الله(ص) فأخذت فاطمة العقد وأعتقت سهما المملوك. فضحك الغلام سهم فقالت فاطمة عليها السلام ما يضحكك يا غلام؟
قال سهم: أضحكني عظم بركة هذا العقد، اشبع جائعاً، وكسى عرياناً، وأغنى فقيراً، واعتق عبداً، ورجع الى صاحبه.
قال الإمام الصادق(ع): «لولا أنّ الله خلق أمير المؤمنين لفاطمة ما كان لها كفؤ على الأرض».