الشعر الكلاسيكي في أدبنا العربي الحديث
الشعر الكلاسيكي في أدبنا العربي الحديث
مع
منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، ظهر في عالمنا العربي اتجاه أدبي يستهدف
إحياء تراث الشعر القديم
وذلك باحتذاء الشعراء الفحول ومعارضة قصائدهم
الشعرية ومحاكاتها؛ لأنها تمثل أروع النماذج الشعرية التي
تستحق الاقتداء
والتمثل، وتسمى هذه الحركة الشعرية الجديدة بحركة الإحياء والانبعاث أو
بالمدرسة
الكلاسيكية. وقد ظهرت هذه المدرسة الشعرية كرد فعل على كساد
الشعر في عصر الانحطاط بسبب التكلف
البديعي والزخرفة التنميقية وفراغ
الشعر قالبا ومضمونا. وقد أحيت حركة الشعر الكلاسيكي تراث العصر العباسي
والجاهلي على الخصوص وقامت ببعثهما من جديد؛ لأن السبيل الوحيد للتقدم
وتحقيق الهوية والأصالة هو العودة
إلى الماضي كما فعل الأوربيون
الكلاسيكيون الذين عادوا إلى تراثهم اليوناني والروماني من أجل بناء حاضر
ومستقبل حقيقيين.
لقد أطلقت عدة تسميات على هذه الحركة الشعرية العربية التي استلهمت
التراث الشعري السلفي توظيفا
وحوارا من أجل تحديث شعرنا الحديث، من بينها:
الكلاسيكية- الكلاسيكية الجديدة- الكلاسية- شعر النهضة-
شعر البعث- شعر
الإحياء- شعر الانبعاث- التقليدية - البيانية- السلفية الشعرية- التيار
التراثي- شعر البعث
والإحياء.
ونفضل استعمال مصطلح الكلاسيكية لأنه يجمع بين التقليد والتجديد،
ويوحي بالاستمرار والتجاوز. ويعني هذا
المصطلح الذي ظهر في الغرب في عصر
الأنوار ومطلع النهضة الأوربية العودة إلى التراثين: اليوناني والروماني
لاستلهام آثارهما الفنية والأدبية والعلمية الخالدة لتكون نبراس التقدم
ومشكاة التغيير والازدهار.، وبوضوح أكثر
تعني الكلاسيكية خطوة إلى الماضي
من أجل خطوتين إلى الأمام. وهكذا، فالكلاسيكية تشمل الأعمال الأدبية
والفنية الكبرى لكل من الحضارتين: اليونانية واللاتينية، فضلا عن أعمال
القرن السابع عشر المقررة في المدارس
الفرنسية إبان القرنين السادس
والسابع عشر، لأنها أعمال الطبقة الأولى من الكتاب الذين ينطلقون من
الشعرية
الأرسطية والأدبين الإغريقي واللاتيني ومبادئ العقلانية
الديكارتية أي الذوق العام واحترام الأصول والقواعد
الشعرية والنحوية
وفلسفة الجمال القائمة على العقل والمحاكاة وهذه جميعها تجسدت بالأساس في
الشعر
المسرحي الذي له مكانة كبيرة في الشعرية لأرسطو.
وللكلاسيكية مجموعة من الخصائص، التي يمكن تحديدها فيما يلي:
فمن حيث الأفكار، ترتكز الكلاسيكية الشعرية على العقلانية التي تتمظهر
في الوضوح الفكري، والموضوعية الناتجة
عن الالتزام بالعقل والمنطق
ومواضعاتهما، والتزام القواعد التي تحقق التوازن بين العاطفة والفكر، وبين
الشاعر
والجمهور، وبين المضمون والشكل، وهذا التوازن هو سر الجمال وجوهره
الحقيقي. ومن الخصائص الأخرى
للكلاسيكية مشابهة الحقيقة وذلك بمحاكاة
الواقع الخارجي، والالتزام بمقومات الأخلاق والقيم الفاضلة. ويمكن أن
تجمع
هذه الدعائم الخمس - حسب الدكتور محمد شكري عياد- تحت اسم واحد هو
(الموضوعية الاجتماعية)،
كما يمكن أن تجمع صفات الأسلوب الكلاسيكي تحت اسم واحد وهو (الشكل المهذب).
أما صفات الأسلوب الكلاسيكي فيمكن حصرها في خاصية الاختيار والنظام
والبساطة والقصد إلى العادي والوضوح
والميل في شعرنا العربي الحديث إلى
البحور الطويلة النفس كالبحر الطويل والبسيط والكامل والوافر والتمسك
بمعايير عمود الشعر العربي القديم والنظم على القالب الخليلي ذي نظام
الشطرين ووحدة الرؤى والقافية،
والإكثار من صور التشبيه ولا سيما الحسية
منها. كما تمتاز اللغة بالجزالة والرصانة وقوة السبك وغرابة الألفاظ غير
المألوفة لنا.
هذا، وإن حركة انبعاث الشعر في أدبنا الحديث لا يمكن فصلها عن حركة
الانبعاث الديني والقومي. وبالتالي، فقد
جاءت هذه الحركة الإحيائية
الشعرية الجديدة مرتبطة بإحياء القديم، وبالاطلاع على مذاهب الشعراء
القدماء في
تناول الأغراض والتعبير عن المعاني، وكان من وراء حركة الإحياء
وعي بالماضي ومن وراء هذا الوعي الشعور بأنه
مستقر المثل الأعلى.
وعليه، فإن محمود سامي البارودي هو الممثل الحقيقي للمدرسة
الكلاسيكية بعد عصر الانحطاط وفترة الجمود
والكلفة بالصناعة البديعية
وإظهار البراعة في الأساليب اللفظية كالتوريات والتضمينات كما هو الشأن
لدى حسن
العطار(1838م)، وعلي الدرويش(1835م)، وعلي الليثي(1896م)، وعبد
الله فكري(1889م)، وعلي أبو
النصر(1880م) من مصر، وبطرس كرامة الحمصي(1851م) ومعاصره نصر الله الطرابلسي(1840م) من لبنان.
ولم يفرض المنحى الاتباعي في الشعر وجوده الحقيقي إلا مع محمود سامي
البارودي في مصر وناصيف اليازجي
وشكيب أرسلان في بلاد الشام، وإن كان
البارودي قد امتاز بالإكثار والجودة؛ فعد بحق رائد الانبعاث والإحياء بغير
منازع.