موقع المرأة في العولمة والصحوة الإسلامية
موقع المرأة في العولمة والصحوة الإسلامية
زينب محمد عيسى
مديرة جمعية السيدة زينب الخيرية بيروت
أن متابعة الدراسات والآليات والبرامج الهادفة إلى النهوض بالمرأة على المستويين
الدولي والمحلي تبين مدى إرتباط قضية المرأة بالتحولات الدولية الكبرى التي عرفتها
البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع بروز ظاهرة العولمة التي شهدها العالم
عقب سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1990. هذه الظاهرة التي استقطبت اهتمام العلماء
والباحثين وأصبحت في عصرنا الحاضر موضوع النقاش الساخن في الخطاب السياسي
والاجتماعي والديني، لما أحدثته من اختلالات في الواقع الاجتماعي والثقافي،
والانتمائي للمجتمعات المستقبلة لها.
فالعولمة التي تجهد إلى صناعة المستقبل، إلى بناء ثقافتها الخاصة التي تخدم
أغراضها في تشكيل السلوكيات، والقيم، والتوجهات، والعلاقات، إستطاعت غزو المجتمعات
التقليدية والعربية والإسلامية، أدخلتها في أتون الصراع الثقافي والحضاري، مما أدى
إلى حدوث تصادم وصراعات على مستوى القيم والهوية والمرجعية الدينية لتلك
المجتمعات.
إن العولمة التي تحمل فرص الانطلاق والانفتاح على العالم الرحب، تحمل في الآن عينه
إمكانية الضياع والعزلة والانقطاع عن التاريخ والحيز الجغرافي اللذان يشكلان إطار
الهوية الشخصية. فالعولمة كما هي قوة هائلة في بناء عالم متقدم يهدف إلى الرخاء
الاقتصادي. هي في الطرف الآخر مصدر من مصادر العلل المعاصرة، حيث أنها تطورت وما
زالت في سياق فراغ أخلاقي حيث يميل النجاح والفشل في الأسواق إلى أن يكون المعيار
الأخير في السلوك، وحيث فرض الذات، والاستفراد هو الأهم. مما يضعف نسيج المجتمعات
الإنسانية وعلى قمتها الأسرة بأقطابها الثلاثة: الرجل، المرأة، الأبناء.
لقد شهد مطلع الثمانينات من القرن الماضي اهتماماً ملحوظاً بالمرأة، وقد أخذت
حيزاً هاماً في المشهد العام الاجتماعي، والثقافي، والسياسي، وحظيت باهتمام مطَّرد
على المستويين الدولي، والاقليمي، والمحلي، فقد عقدت الأم المتحدة أربعة مؤتمرات
عالمية للمرأة خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي. وقد أعلنت الجمعية العامة
عام 1975 عاماً دولياً للمرأة. وعقد في العام ذاته المؤتمر العالمي الأول المعنى
بالمرأة في المكسيك، بعنوان المرأة: المساواة والتنمية والسلم. وأقرّ المؤتمر
إعلان الأعوام العشرة التي تلت (1976 – 1985) عقد الأمم المتحدة للمرأة، لكي تبذل
جهوداً عالمية بغية دراسة مركز المرأة وحقوقها وإشراكها في عملية صنع القرار على
كافة المستويات. وفي 18 كانون الأول / ديسمبر 1979، أعتمدت الجمعية العامة اتفاقية
القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التي أصبحت سارية في 1 أيلول/ سبتمبر
1981، والتي وضعت المعايير الدولية للمساواة بين الرجل والمرأة.
وفي عام 1980، عقدت الأمم المتحدة المؤتمر الثاني المعنى بالمرأة في كوبنهاغن بغية
تقييم المنجزات وبحث المعوقات واتخاذ الاجراءات الضرورية لتجاوزها. وفي عام 1985،
التي تمثل نهاية العقد الأول، عقد في نيروبي المؤتمر العالمي لاستعراض وتقيم
منجزات عقد الأمم المتحدة: المساواة والتنمية، والسلم الذي أقرّ استراتيجيات
نيروبي التطلعية للنهوض بالمرأة وحدَّد إتمام تنفيذها بحلول عام 2000. وحثت
البلدان على اتخاذ الاجراءات والتدابير الايجابية من أجل تحقيق المساواة بين
الرجال والنساء من حيث الفرص وإمكانيات المشاركة، وتبني قوانين تعزز تكافؤ الفرص
والمساواة وتطبيق هذه القوانين.
وفي عام 1995 عقدت الأمم المتحدة في بيجين المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة.
فقد جرى فيه تقييم الاستراتيجيات السابقة. واعتمد المؤتمر المشار إليه إعلان
ومنهاج عمل بيجين، والذي أضاف أربعة مجالات على المجالات التي اشتملت عليها
استراتيجية نيروبي التطلعية لتصبح: تقاسم السلطة، الآليات الوطنية للنهوض بالمرأة،
الالتزام بحقوق المرأة، الفقر، والمشاركة الاقتصادية، الانتفاع من التعليم
والخدمات الصحية، والعمالة، والعنف ضد المرأة، وآثار النزاعات المسلحة على المرأة،
واللاجئات والعائدات والمشردات، المرأة ووسائط الاعلام، المرأة والبيئة، الطفلة،
التدريب.
وتميز هذا المؤتمر بإثارة عدد من القضايا المثيرة للجدل، وكان بعضها يتسم بالجرأة
أو يناقش للمرة الأولى في محفل دولي. هذه المؤتمرات الدولية إلى جانب المؤتمر
الدولي للسكان والتنمية (القاهرة 1994) كان لها كبير الأثر في بروز وتنامي
المنظمات والحركات النسوية، وفي بلورة رؤاها واستراتيجياتها التي اتجهت إلى تطبيق
الأهداف التي اعتمدتها قرارات الأمم المتحدة والتي تتمثل بالمطالبة بالمساواة
الكاملة بين الجنسين وتطبيق اتفاقية القضاء على جميع أشكال التميز ضد المرأة
(سيداو). وفي هذه الفترة عام 2002 تم إنشاء منظمة المرأة العربية تحت مظلة جامعة الدول
العربية، وأنشئت لجنة المرأة كهيئة فرعية تابعة للجنة الإقتصادية والاجتماعية
لغربي آسيا (الإسكوا). وعلى الصعيد غير الحكومي وفي اطار الشبكات والاتحادات
العربية تم إنشاء مركز المرأة العربية للتدريب والبحوث (كوتر)، وشبكة عائشة
للإعلام. ثم صدر اعلان بيروت للمرأة العربية عشر سنوات بعد بيجين الذي يضع الاطار
العام لكي تستنير به الدول العربية في حكومات ومنظمات غير حكومية لتمكين المرأة
والنهوض بها في العقد القادم من القرن الحادي عشر.
وبهذا تحول موضوع المرأة إلى حركة إجتماعية. أي كفاعل اجتماعي مدرك للرهانات
والتحديات التي تواجهه، وساعٍ إلى تحقيق مطالب استراتيجية كفيلة بإزالة التمييز
واللامساواة بين الرجال والنساء في مختلف مجالات الحياة. وتهيئة بيئة تمكينية تساء
في بناء قدراتهم الانتاجية والابداعية على حد سواء. ويتميز هذا الفاعل بقدر من
النظم، والاستمرارية، والقدرة على ادخال التغيير المنشود. وبهذا تلاقى مع
التعريفات المطروحة حول الحركة الاجتماعية ومنها تعريف كل من (غولد «Gold و(كولب Golbe) بأنها تلك الجهود المستمرة لمجموعة من
الأفراد إلى تحقيق مصالح مشتركة لكافة أعضائها. وتعرف (هس Hess) بأنها المحاولات المنظمة لإحداث تغيير
اجتماعي أو الحيلولة دونه. وهي جميعها محاولات لتجميع الأفراد حول وجهات النظر
هذه، أو تشكيل تنظيمات رسمية لتحقيق تلك الأهداف أو عقد تحالفات مع تنظيمات أخرى
لهذا الغرض. أما تعريف آلان توران Alain Touraine
وهو أبرز دارسي الحركات الاجتماعية الطلابية، والعملية، والنسائية اعتمد المزاوجة
بين ثلاثة مبادئ أساسية: مبدأ هوية الحركة (أي المصالح التي تسعى الحركة
الاجتماعية للدفاع عنها مثل الحركات النسائية المناضلة من أجل تحرير النساء)،
ومبدأ خصومه الحركة (ويتمثل في تحديد قوى الخصم، أو تلك المناهضة لأهداف الحركة الاجتماعية)،
ومبدأ رؤية الحركة أو غايتها (يشير إلى مجموعة القيم والمرجعيات والايديولوجيات
المعتمدة). ويرى الآن أن الحركات الاجتماعية تقوم بثلاث وظائف أساسية: وظيفة
الوسيط بين الأفراد والمجموعات من ناحية، والمؤسسات من ناحية أخرى، ووظيفة
التوعية، ووظيفة الضغط على المؤسسات والمجتمع لتلبية المطالب.
فالحركات النسوية التي برزت على امتداد ثلاثة عقود، هي حركات متعددة التنظيمات
والعلاقات والمرجعية والاهتمامات. كما أنها مرتبطة بالتيارات الفكرية والسياسية
التي تتراوح بين المحافظة والتقليد وبين التجديد والتحديث، وبين تيارات تؤكد على
المرجعية الإسلامية في رؤاها وخطابها، بمعنى أنها لا تهدف إلى استبدالها بمرجعية
أخرى تعمل بالمطالبة بالمساواة بين الجنسية تبعاً لمفهوم الحركات النسائية
الغربية. وقد انتقلت بعض هذه الحركات بعد ذلك من حركات فكرية نخبوية إلى حركات
نسائية جماهيرية قادرة على تعبئة النساء وخوض النضالات الوطنية الاجتماعية.
لقد أثبتت الوقائع خلال العقود الثلاثة الماضية بأن الدعم اللامتناهي للمرأة بهدف
القضاء على جميع اشكال التمييز ضدها يشكل الوجه الخفي لبرنامج العولمة. كما أن
التعاطف الخارجي مع قضاياها هو الوجه الآخر للمواجهة السياسية مع المجتمعات
العربية، والصورة السلبية التي تستنبطها قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي تجاه
العالم العربي والإسلامي، وثقافته وقيمه. إنها توجه هادف إلى اعادة بناء هيكلة
المجتمعات العربية والإسلامية وتهيئتها للمساهمة الفعالة في بناء المجتمع العالمي.
باعتبار أن المرأة تمثل في جوهرها مستودع الموروث الثقافي الديني والحضاري. كما
أنها الوجه الآخر للصحة الاسرية والمجتمعية في بعديها النمائي والانتمائي.
والسؤال الذي يطرح: هل استطاعت معايير التحرر غير المشروط لتحرير المرأة،
واستردادها لكيانها الإنساني في ظل العولمة من تحقيق الارتقاء الإنساني الذي يمهد
السبيل لبناء نوعية حياة راقية، ومتجددة، وخلاقة تحدد على أساسها آلية النماء
ذاتياً ومجتمعياً؟!
هذا التساؤل يشكل محوراً للدخول إلى عالم العولمة وآثارها على واقع المرأة
الوجودي. وبتعبير آخر موقع المرأة في العولمة، وصولاً إلى رؤية مستقبلية تحدد
استراتيجية هادفة إلى صيانة المرأة وحمايتها من حركة الانعتاق العام الموهومة،
التي اختزلت المرأة إلى إدارة مادية تخدم رؤى وتوجهات العولمة. وذلك استناداً إلى
الدراسات والابحاث والنتائج التي تمخضت عنها المؤتمرات والندوات الدولية
والاقليمية، التي نظمت بمناسبات متلاحقة حول المرأة. وهذا يفترض الإحاطة بعدة
محاور:
1- العولمة، تعريفها.
2- آثار العولمة.
3- موقع المرأة في العولمة.
4- الرؤية الإسلامية تجاه المرأة.
5- موقع المرأة في الصحوة الإسلامية (رؤية مستقبلية).
أولاً: تعريف العولمة: شاع الحديث عن العولمة عقب سقوط الاتحاد السوفياتي عام
1990، ومع بروز مجموعة من الظواهر السياسية، والحياتية والمستجدات الفكرية
والتطورات التكنولوجية التي تدفع في اتجاه ترابط العالم، وتشابكه، وتقاربه، وزيادة
انكماشه. وقد أتى مصطلح العولمة من الترجمة الإنجليزية Globalization وتعني جعل الشيء على مستوى عالمي. ثم ترجم
إلى الفرنسية تحت كلمة Mondalisation.
ونقل إلى العربية تحت ثلاثة مصطلحات (الكونية، الكوكبة، العولمة). أما في المنظور
اللغوي فهي تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل العالم كله.
ثانياً: آثار العولمة: - إن الخصائص الرئيسية للعولمة المتمثلة في تحرير التجارة
الدولية، والتوسع في الاستثمار الأجنبي، وظهور التدفقات المالية الضخمة العابرة
للحدود، والتي نشأ عنها التنافس في الأسواق العالمية حدثت من خلال الأثر المشترك
لعاملين رئيسيين هما: القرارات المتعلقة بالسياسة الدولية، وأثر التكنولوجيا
الجديدة، لا سيما في مجال المعلومات والاتصالات التي اضفت بطابعها المميز على
العملية الراهنة للعولمة. فقد تقلصت الحواجز الطبيعية المتعلقة بالزمان والمكان،
وانخفضت انخفاضاً شديداً تكاليف انتقال المعلومات، والناس، والسلع، ورؤوس الأموال
على وجه البسيطة. في الوقت الذي اصبحت فيه الاتصالات العالمية رخيصة التكلفة وآنية
في الاستخدام. وأدى ذلك إلى توسيع هائل في إمكانية إجراء المعاملات الاقتصادية في
العالم.
ثالثاً: موقع المرأة في العولمة: إن حقيقة المعركة الممتدة في الزمان والمكان، والمتنوعة
المستويات والمداخل التي تخوضها المرأة في ظل العولمة بهدف تحقيق التحرر غير
المشروط، أدت ضمن سياقات متنوعة إلى اختزال لكيان وقيمة المرأة ومكانتها، إلى حد
الإستباحة لكيانها في خصائصه وطاقاته ودينامياته ووجداناته. لقد أثبتت الوقائع على
المستويين المادي والمعنوي بأن هذه المعركة المستمرة لم تحقق نوعية الحياة
الإنسانية المأمولة للمرأة. كما أنها بينت حقيقة التوجهات العالمية في طمس الذات
الأصلية للمرأة بشكل عام، وللمرأة العربية المسلمة بشكل خاص، من خلال تشويه وتحريف
الاطروحة الحقيقية التي شرعتها الاديان السماوية للمرأة؛ وبذلك تحولت المرأة إلى
دفاعية استجابية تخدم السلطة السائدة (المتمثلة بالعولمة) على مستوى الرؤى،
والقيم، والدوافع، والسلوكات. هناك محاولة تغييب صورة المرأة الحقيقية، وتذويب
الخصوصية الذاتية لشخصيتها ضمن مفاهيم المساواة بين الجنسين، والقضاء على جميع
أشكال التمييز ضد المرأة، وتمكين المرأة.