الخيام.. احد الكواكب المتألقة في تاريخ الثقافة الاسلامية في ايران
الخيام.. احد الكواكب المتألقة في تاريخ الثقافة الاسلامية في ايران
الخيام هو أحد الكواكب المتألقة في تاريخ الثقافة الاسلامية في ايران. فهو يمثل الروح الايرانية المتعطشة الى المعرفة والكشف والتعمق والغور في الشك من أجل الوصول الى اليقين الذي يحتاجه الانسان للحصول على نفس مطمئنة تساعده في سبر أغوار الحياة الدنيا. إذن فللخيام في الذات الايرانية ذكرى أزلية تولد لديها طاقة وحركة وجرأة وميلاً الى اقتحام السبل المتاحة للوصول الى الطريق الصحيح.. وهذه هي الطريقة بعينها التي يوصي بها ديننا فالمعرفة هي طريق الخلاص وليس الجهل.
ولكن على الخلاف مما يُشغله الخيام من مساحةٍ في سماء الثقافة الايرانية، فإن شخصيته وأسلوب حياته ما زالت محاطة بنوع من الغموض مشوبة بالالتباس والظن.
يبدأ الالتباس في شخصية الخيام من اسمه وسنوات عمره، فمنهم من سماه أبا الفتح أو، أبا الفحص، أو أبا حفص ومنهم من قرر له ثمانين عاماً ومنهم من أطال عمره الى مائة وعشرين عاماً.
ولكن السؤال الأهم عند البعض هو هل كان الخيام عالماً، أم شاعراً، أم كليهما. ويضيف اذا كان شاعراً لِمَ لمْ يذكر شاعريته من عاصره من مشاهير المؤرخين الذين ذكروا له صفات كثيرة لغزارة علمه وتفرعاته، من أمثال الزمخشري ونظامي العروضي والبيهقي والخازني؛ فهؤلاء اكتفوا بتعريفه فيلسوفاً وحكيماً وله باع في الرياضيات والفلك. ولكن ان لم يكن شاعراً فمن أين أتت هذه الرباعيات ولِمَ تنسب إليه لا الى غيره؟!
يحكي لنا التاريخ أن مدينة نيشابور، أو كما يسميها العرب نيسابور، كانت في القرون الاسلامية الاولى، احدى أكبر المراكز الثقافية وكانت محط أنظار أهل العلم والحكمة، فيقال قد ترعرع فيها أكثر من أربعة آلاف عالم وحكيم. ويذكر الثعالبي في يتيمة الدهر أن المدينة هذه كانت من المراكز المهمة للأدب العربي كذلك.
الخيام عالماً
عاش الفيلسوف عمر الخيام في خراسان الكبرى ولكنه أقام بعض الوقت في أصفهان وري. أخذ العلم من كبار زمانه ومنهم إمام الحرمين الجويني المتوفى في 478 هجرية. في ذلك الزمان كانت خراسان مهداً للعلم والأدب والفلسفة. فالخيام اغترف من علوم عصره وتخصص فيها ومنها الأدب والتفسير والكلام والحكمة الطبيعية والرياضيات والالهيات والفلك. ولكل فرع من هذه العلوم شواهد تاريخية وحكايات تثبت صحة ما يقال فمثلاً الزمخشري يفاخر على أنه كان يناقش مواضيع الادب مع الخيام. والبيهقي يشهد أن الخيام كان من أكبر قرّاء القرآن وأجود بني زمانه. ونقرأ في حياة الامام محمد الغزالي أنه كان يأخذ دروساً على الخيام، أو يطرح عليه بعض الاسئلة حول علم الكلام.
وقد أوعز الملك السلجوقي جلال الدين ملكشاه للخيام ولإثنين من معاصريه بتنظيم التقويم الايراني المسمى بالتقويم الجلالي، حيث يعد الى يومنا هذا أدق مفكرة علمية لحساب الايام والفصول حسب علم الفلك. كما يذكر لنا التاريخ أن الملك أوعز اليه بإنشاء مرصد كبير لرصد الأفلاك وقد قرروا له ميزانية كبيرة ولكن مع وفاة الملك ومقتل وزيره نظام الملك في نفس السنة (485 هجري) فقد الخيام داعميه فعاد من اصفهان الى خراسان دون أن يكتمل المشروع.
أما عن الالهيات فقد سموه تالي ابن سينا وفي كل الأحوال فإن نظرة واحدة الى قائمة تأليفات الخيام من كتب ورسالات تكفي أن تدلنا على المقام الشامخ والمرتبة السامقة لهذا الفيلسوف الحكيم. كما قيل أن الخيام لم يكن يؤلف شيئاً إلا بالضرورة وبناء على هذا فقد اتّهمه بعض كتّاب التاريخ بالبخل والتقتير.
إلا أن بعض المعاصرين أمثال محمد علي فروغي الذي حقق رباعيات الخيام يذعن أن الامساك عن الكتابة في شتى المجالات، إلا بالضرورة، هي من محاسن الخيام وليست من معايبه. لأنه كان يؤمن بقصر الحياة فيحترز من كتابة المكررات، إلا إذا اقتضى الأمر.
ومع هذا، فالمؤلفات التي وصلتنا من هذا الفيلسوف ليست بالقليلة نوعاً ما، حيث نذكر هنا بعضاً منها وهي رسالة في الجبر والمقابلة ورسالة في شرح مشكلات اقليدوس وترجمة خطبة الغزا لابن سينا عن التوحيد ورسالة في الكون والتكليف ورسالة في الوجود وغيرها.
وينسب للخيام كتاب نثري جميل الاسلوب، إلا أنه يحتوي على مواضيع غير علمية عنوانه نوروزنامه ويحتمل أنه ترجم الى العربية في مصر. ينسب الكتاب للخيام ولكن الخبراء والباحثين في اسلوب الخيام لا يقرّون له به وينسبونه لأحد تلاميذه المدعو عبدالرافع (أو رفيع) الهروي. تقول تراجم الخيام أنه كان من وجوه القوم في خراسان الكبرى وله مكانه رفيعة وقد ذكروا له مقام (الدستور) الذي يضاهي مرتبة وزير. ويحكى أن الخيام كان في مدينة بخارى يجلس مع السلطان كتفاً بكتف وعلى أريكة واحدة، وكان له نفوذ كبير بحيث جعل من الشاعر الايراني الكبير والعارف الشهير السنائي أن يكتب له رسالة طالباً منه العون...
الخيام شاعراً
ظهرت رباعيات الخيام للمرة الأولى بعد حوالى ثمانية عقود من وفاته. ويمكن إرجاء السبب الى عدة عوامل ومنها:
- إن الشاعر لم يكن يؤمن بالفائدة العامة لهذه القصائد نسبة الى خدماته في المجالات الأخرى فلم يظهرها سوی للمقربين.
- كان يمكن لمثل هذه الأشعار أن تسيء لسمعته عند العامة وتجعله في مضان الاتهام، حيث يقول عنه القفطي أنه طعن في ديانته من قبل معاصريه، خاصة أن سوق التهمة والبهتان في ذلك الزمن كانت على قدم وساق في نيسابور وأصفهان وبين الباطنيين والظاهريين، وتصل الى معارك طاحنة أحياناً. إذن كان العقل يحكم بأن لا تظهر مثل هذه الرباعيات المتسائلة والجاحدة حسب رأي البعض الى النور تجنباً للمضاعفات غير الحميدة جراءها.
- ويمكن تبرير عدم ذكر شاعرية الخيام من قبل معاصريه الى عدم اطلاعهم على هذا الجانب من حياة الشاعر الفيلسوف. لأن ذلك العصر كان يتسم بقصائد المديح وذات الأغراض البسيطة... ولم يكن للخيام أغراضاً من هذا النوع.
بدأت رباعيات الخيام تظهر شيئاً فشيئاً في أمهات الكتب ومنها رسالة التنبيه للفخر الرازي، مرصاد العباد لنجم الدين الرازي، تاريخ جهانكشا للجويني، تاريخ كزيده للمستوفي، تاريخ الوصاف، نزهة المجالس والى آخره.
ولكن بموازاة رباعياته، بدأت رباعيات أخرى لشعراء مشهورين أو مغمورين تدخل بين رباعياته الى أن وصل بنا المطاف بأن يسجل بعض الدارسين ومن بينهم الباحث الشهير سعيد نفيسي الى الخيام أكثر من ألف ومائتي رباعية. ولكن هذا الشاعر الكبير الذي يعتبر اليوم ضمن الشعراء العشرة الاوائل في تاريخ الشعر الايراني – وعلى قلة نتاجه – لم يشتهر عالمياً الى أن جاء فيتز جرالد ونشر باقة من رباعياته المترجمة الى الانجليزية قبل مائة وخمسين عاماً. وطبعاً أن فيتز جرالد لم يفكر في دراسة الرباعيات لإستخلاص الرباعية الأصيلة من المنحولة وحتى أنه يصرح في مقدمته بأنه لم يلتزم بالمعنى الذي تطرحه الرباعية الخيامية في كثير من الأحيان وإنما استخرج المعنى المطلوب له من رباعيات متعددة، فترجم خمساً وسبعين رباعية وأضاف اليها بعد سنوات خمساً وعشرين رباعية أخرى ومن هذه الترجمة بدأت عالمية الشاعر.
لغة الخيام ومفرداته
تتميز رباعيات الخيام بلغة سلسة، سهلة البيان بلا تكلف أو تعقيد، تمس صميم حياة البشر، دون تمايز بين طبقات المجتمع، من عالمها الى عاميها، ومن ثريها الى فقيرها، فالجميع يشتاق الى معرفة مصيره ومثواه وخالقه وجدوى حياته.
الموضوع الجدير بالذكر هنا، هو استخدام كلمات وعبارات قابلة للتأويل في الرباعيات. أهمها استخدام أشياء متداولة وفي متناول أيدي الناس وخاصة في مدينة نيسابور المشهورة بصناعة الفخار آنذاك.
فالشاعر ابن زمانه ويستلهم من حواليه ما يفيده لتوضيح فكرته، فالخيام الذي تأسى وتأثر باستاذه ابن سينا يعتبر ذرة الغبار أساس كل شيء. فالانسان عندما يموت يتبدل الجسم منه الى ذرات وتراب ولعل التراب الذي يصنع منه الكوز هو من ذرات انسان ما.