لنثر العربي من الإبداع إلى الإمتاع (3-3)
العالم متنوع
عالم الكتاب يجب أن يكون مكتفيا بذاته، يقترب من الصدق الذاتي إلى
الصدق الموضوعي، اقتراب محتواه الجزئي من فرد أو فردي إلى كلي لعموم الناس،
حيث التفاصيل الخاصة موحية مجدية تصب في واقع عام، مرتبطة بعضها ببعض
بمنطق سليم، وصولا متدرجا إلى نهاية يراد وضعها لقارئ، لسبب نبيل.
التنكر لأساسيات عمل يخذله، ذلك يحدث من انقياد كاتب لهواجس متحركة
بإغواء من خارج العمل الإبداعي، كالرغبة في كسب أو إرضاء جهة أو طيران غير
مدروس فوق صفحات أو تكثير عدد صفحات، يسحب ذلك مضامين العمل إلى خارجه،
يشتتها، حيث تبدأ تفاصيل تتفاعل في جو سياسة خانق، منتجة عادما فكريا غير
فني ولا صحي، وقت ينبغي للفن أن يكون، بإنسانيته ونقائه وجماليته المشروطة
بمنطق الرفعة والعدل، على صعيد فردي واجتماعي، معادلا للشرور بكل أنواعها،
وهكذا برأيي ينبغي أن يُنشر ويُدرس في إعلام ومعاهد، أو يكبو، خاصة لو غلّب
مبدعه مشارط التعسف والسياسة، اللينة والصماء، على شروطه المرافقة لتفتحه.
إذا، قدّامنا بواجهات مكتبات وشاشات فنّان وأدبان عموما، هذا لو سَرَت
تسمية الفن والأدب عليهما بعد تسليم واعتراف بشروطهما الذاتية، لكلِّ قيمه
الجمالية، ضمنا الأخلاقية، وكذا أهدافه السياسية الذائبة في المتن. لنقل أن
الأول معني ببث القيم الإيجابية المعروفة، ارتكازا حتى على الفلسفات
والأديان، الثاني لا يعبأ لها بل وبات يروِّج لقيم سلبية، أحدهما جوار
الآخر في مد وجزر، ضمن صراع فكري يُسيطر عليه عبر سيطرة على إعلام ومنه
النشر.
هكذا كل عالمنا أيضا، خارج هذا النطاق، نطاق الأدب والفن، يسير بساقي
عارض أزياء رشيق، في بنطلون جميل، بخلعه قد تتبدى إحداهما عوجاء، تركنا
التدقيق قد نرى بعد حين كليهما، لكاوبوي، معوجتين. فضائح إقناع إكراه، ذلك
من حكايا عالمنا، عالم إيه آه، على غافل تبيّن حاله، رفعة لنفسه، متحسبا
حتى لأخطار يقظة حوله، أو ليبق في غفوة، لا يرفع رأسه.
النثر كالسياسة مد وجزر
ينجح كاتب، آخر يفشل، قصدت النجاح الإبداعي، لا الإعلامي، الأخير تبويق
وتسويق. بل قد ينجح كاتب بكتاب أخلص له بهاجسه وضميره، يفشل بآخر لدواعي
إخلاصه لإغواء شهرة أو غيرها.
محمود البياتي كان ناجحا في (رقص على الماء) فشل في آخر صدر العام
الماضي بعنوان (في انتظار الغريب) لا علاقة كبيرة للعمر هنا أو هناك بقدرة
الكاتب على إبداع، نعم، الإبداع يتطلب قوى جسدية أيضا لتحقيقه، لكن غوته
أنجز أفضل أعماله فاوست في شيخوخته، وبالعكس أنجز نجيب محفوظ أفضل أعماله
في مبكر حياته برأي كثرة، أين مربط الخيل، هذا موضوع غائب الآن، نتركه،
مقاربته ممكنة بفكرة إن (العقيدة الفنية) إذا كانت سليمة، متصالحة مع الآخر
والتأريخ، فإن الإبداع يصل المرتجى، تشط لا يصل.
والعقيدة قد تتغير لأسباب، بتغير المنتِج لتغير معرفته يتغير المنتًج.
حتى الأدبي منه. كتاب محمود (في انتظار الغريب) في قسمه الأول أخلاط يوميات
وانطباعات في نصف صفحة وصفحة وصفحتين لا يمكن النظر إليها ككل ذي شكل فني
يستدعي التوقف.
قصص (الحب) في القسم الثاني فم يتكلم، لا أشخاص، لا تفاعل، لم تثر
شعورا عندي، أنا قارئ لها هنا أكثر من ناقد، هي ليست عملا يرمي عن أصالة
قفاز تحد، وحين ترى آثار كتاب آخرين في الكتاب لا يشدك، على كاتب تذكر ما
كتب قبله كي لا يكرر، ص 132 وما فيها عن الحب والانفجار الكوني، سبق لآخر
تناوله في كتاب معروف. سعة الثقافة ضرورية للكاتب، والأصالة واحدة من أهم
سمات الأدب، إضافة إلى مقومات أخرى، كالتشويق المرتبط بالمنطق والمعرفة
والشكل. الكاتب منظومة معرفية مستقاة من عدة ميادين، من التأريخ والعلم،
تربى إحساسه على اختيار الموضوع ومعالجته وانتقاء المفردة. سرده في ذاته ذو
قيمة إضافة لدوره في العمل ككل، في تركيب السياق العام، تنبع قيمته من
تكامله وسعته وتفرده، من تلاحمه، من منطقيته، من تحويله اليومي ورفعه إلى
مصاف الشعر والتأريخ، من كليته، من رقته، من صلابته، من عمقه، من رنينه، من
ضرورته، من تحويله الخاص لعام، سبيكة واحدة.. كل مفردة من هذه يمكن الغوص
فيها والاجتهاد وتفصيلها، كيف يكتب حوار، كيف يتطور حدث.
لماذا السياق المنتظم، لماذا غير المنتظم، مقومات هذه من منظور كلي
للحياة ثم للعمل الإبداعي، ينبغي حضورها في عمل أدبي ليكون موضع نجاح وتأمل
وبحث.
بعض قصص هذا الكتاب استله محمود من مجموعة سابقة له وحشره فيه دون
مبرر، فجعله متدنيا قياسا بكتابه السابق (الرقص على الماء) وثمة خواطر ليس
فيها جدة ولا ترقى لاعتبارها قصصا قصيرة، حديثة أو تقليدية. نعم اهتم أن
تكون لها نهايات مفاجئة غالبا، على الطريقة الموباسانية، لغرض إحداث صدمة
عند قارئ لكن على غرار (خرعة عراقية) مثل صيحة مباغتة، أبعد ما تكون عن
نهاية فنية.
إنها نصوص نكوص، قصاصات لا قصص، رجل يكلم نفسه أو ظله ص145 كبطل سلبي
لتراجع الإيجابي في الحياة، كأن الكاتب ملزم أن يصدق كل ما يسمعه ويقرأه،
وأن يقلد السائد، وليس عليه، طالما هو يكتب، تبديد دياجير جهل واستنارة
كاذبة وخلاعة فكرية متفشية بدعوى تغير نحو انفتاح، كأنما لم تعد حولنا
مشاكل كبيرة كثيرة.
بدعوى الأدب الخالص ينصرف كاتب عن أمور السياسة، عن بؤر الصراع
الحقيقية، نعم معه حق في ذلك لو التغيير في أيد نظيفة. أما والمسرح يحترق
ويعاني من صعوبات متزايدة خانقة، اجتماعية، بيئية، آتية من وراء كواليس
أحيانا، فلا بد من وصول الجميع إليها، حتى إخماد الأدخنة، بعد ذلك إلى
المقاعد، تفرّج على العلاقات العامة كيف تمثل وتأمل ماذا يعيق تفتحها، ماذا
يعيق إنسان عن بلوغ أقصى حدوده الإنسانية.
أنضج قصص المجموعة ص 188 بعنوان «سينما» حسنة بتفتحها تدريجيا، تتحدث
عن انشقاق امرأة على رجل، موضوع أيضا سائد مروّج، لكن ماذا عن انشقاق رجل؟
تبقى القصة ناقصة، جميلة رغم قصرها، في ثلاث صفحات.
لماذا تُنشر كتب سيئة؟ لأن النشر العربي فوضى مدروسة أو مدسوسة لربح،
مثل بعض سياسات، مثل بعض قادة، مثل بعض رعية، إذا لم تُنظف من أهل الفطنة
والشجاعة غلب التلوثُ الاجتماعيّ البيئيّ، وفسد كوكبنا.
برهان الخطيب