السياب والتجديدات الشعرية

سلمى الخضراء الجيوسي

(باحثة أمريكية من أصل فلسطيني، تدير مركزًا للترجمة، لها عدد من الأبحاث والدراسات والترجمات في مجال الأدب العربي).

لا شك أن ما كتب عن الحداثة العربية حتى اليوم يشكل كمًّا هائلاً من التنظير والإرشاد التلقيني، ولعل كثيرًا من الكتابات حاولت أن تجعل منها حركة لها بداية واضحة، دون أن تتمكن من تفسير ماهيتها. ولقد دخل إلى تعريفاتها – عبر إعلانات بلاغية عالية النبرة– تمويهٌ كثيرٌ وادعاءاتٌ مضللّة ومواصفاتٌ لم تنطبق في النهاية على محصول حداثي فعلي يمثل تحولاً أصيلاً، فنيًا وفكريًا، تقنيًا ورؤيويًا، في آن.

إزاء كل هذا الضجيج تجد الكتابة الرصينة المستندة إلى المنطق الموضوعي المدروس صعوبةً في الوصول إلى ذهنية لم تزل مفتونة بالتعبير البلاغي وبتأكيداته المهيمنة وإصراره الذي لا يكل. غير أن أجيالاً قادمة، بعضها لم يولد بعد، سوف تنظر إلى تمويهات هذه الفترة فتفضح سذاجتها وتناقضاتها  واستلابها الفكري والفني.

إن الحداثة ليست مشروعًا يخطط له، ولا هي عملية لها بداية واضحة يمكن متابعة مَسيرتها. إنها وعي فكري روحي فني يدفع إلى التجاوز والتخطي، ولا يجيء نتيجة دعوات وإعلانات تفسيرية، بل نتيجة تغير داخلي في النفس إزاء العالم من جهة، ونتيجة لتوصل الشاعر إلى السيطرة على تقنيات العمل الفني وتثويرها من جهة أخرى. وهي تحدث لمبدع هنا ومبدع هناك سبق معاصريه في تمثل روح الحداثة ومواقفها وجرأتها التقنية.

وقد حدثت الحداثة العربية على شكل طفرات، وكانت تبدأ كلما اعتمل في أعماق الفرد وعي صادق بروح العصر الذي يعيش فيه وبعالمية هذه الروح، فيتحرر من الروابط القروسطية التي هيمنت على مواقف كثيرة في الثقافة العربية وشكلت جزءًا حيويًا من مفهومها التقليدي للحياة والسياسة والبطولة والمرأة والتراث. كما يتحرر، على الصعيد التقني من القواعد الشكلية والبنيات الموروثة وعلاقاتها بالزمان والمكان، ومن التعامل التقليدي مع اللغة والصورة والرؤى واللهجة، لاسيما اللهجة بجهوريتها وبلاغتها القديمة وتأكيداتها وقدرتها على التأثير العاطفي في المستمعين العرب، حتى اليوم.

ثم إن من أهم إشارات التحول الحداثي في المبدع أن توجهه يكون انقضاضيًا يدعو إلى الهدم، غير أن الطامحين عندنا جعلوا من إرادة الهدم مبدأً متكاملاً شمل جميع عالمهم. إن منطقية القطع مع تقاليد الماضي – وهو أساسي في الموقف الحداثي– لا تعني أن كل ما في هذا الماضي كان قبيحًا ومترديًا في زمنه، بل تعني أنه لم يعد له مكان في زمننا، ويصبح القطع معه نوعًا من العودة إلى أصالة هويتنا المعاصرة. إن إرادة التدمير الكاسح لكل مقومات الماضي وإنجازاته كانت عدوانًا كبيرًا على تاريخ طويل من الجماليات المتطورة والإبداع الفكري والأدبي. وقد كان لهذا الموقف التدميري الشامل نتائج شديدة السلبية في الثقافة العربية المعاصرة لا مجال للحديث عنها هنا لأنه سيأخذنا بعيدًا عن السياب الذي استهدفت ثورته الحداثية البناء حيث هدمته وقوّضت دعائمه، وهو موقف أخذه من بعده شاعر كبير آخر هو محمود درويش والعدد الأكبر من الشعراء الشبان بعدهما.

وبالنسبة إلى تعقيد التحول الحداثي وضرورة اقتران المغامرة التقنية فيه برؤيا المبدع وموقفه الواعي من أوضاع الحياة جميعها، كان من الصعب أن نجد تحولاً حداثيًا كاملاً عند العدد الأكبر من رواد الحداثة في الخمسينيات  والستينيات. إن هذا لا يعني أن الإبداع العربي لم يرزق أية تجربة حداثية كاملة في تلك الفترة. ولكني أتحدث هنا عن الشعراء الذين تمكنوا من ترسيخ عدد من الأعراف الحداثية في الشعر. فتوفيق صايغ، مثلاً كان شاعرًا حداثيًا بمعنى الكلمة، وقد نشر مجموعته الأولى (ثلاثون قصيدة) في أوائل الخمسينيات ، ومن قبله كان هناك أو رخان ميسّر في سوريا، ومن بعده جاء شعراء أمثال: محمد  الماغوط وأنسي الحاج. إلا أن هؤلاء جميعًا لم يتمكنوا من إرساء قواعد الحداثة في الشعر العربي الحديث لأنهم كتبوا شعرهم عن طريق النثر في زمن كان الشعر العربي لم يزل مرتبطًا، تقنيًا ونفسيًا، بأسلوب النظم. ولذا، فلكي تتمكن أية عناصر حداثية أن تدخل إلى الشعر وتصبح عُرفًا فيه يقتبسها الشعراء الآخرون، كان عليها أن تدخل آليًا أولاً  عن طريق الشعر المنظوم. ولعلها ليست صدفة أن حركة الشعر الحرّ زامنت هذه التطلعات الحداثية في الشعر في الأربعينيات  والخمسينيات ؛ فقد كان الشعر العربي يحاول منذ عقود أن يشقّ طريقه إلى الحداثة وأن يتغلب على مناعة الشكل الموروث، أي شكل الشطرين، وهي مناعة ترسخت فيه لأسباب تقنية. ولابد هنا من التنويه بأن التوصّل إلى حلّ لهذا الرسوخ في شكل الشطرين قد تم على يدي مسرحي شاعر هو علي أحمد باكثير، لغاية إنجاح الحوار المسرحي. أي أنه لم يكن لغاية تحرير الشعر نفسه. إلا أن الشعر العربي استفاد كثيرًا منه إذ تحول في الخمسينيات إلى حركة شعرية جادة، وعن طريقه بدأت العناصر الحداثية في الدخول إلى الشعر والرسوخ فيه.

قبل الحديث عن التجربة الحداثية السيابيّة أود الحديث عن أمرين أراهما مهمين في الحداثة العربية: الأول هو أن ضرورة اقتران التجربة الفنية التقنية فيها برؤيا متحوّلة للحياة والإنسان لم تجيء في البدء تلقائية ومتكاملة بالضرورة للمبدع. فلو قابلنا التحول الحداثي بالتحول الرومانسي وجدنا أن الرؤيا الرومانسية (ومثلها الكلاسيكية ) لابد أن تُعبّر عن نفسها عن طريق تقنية رومانسية بارزة: الأسلوب السيّال المنفتح، اللغة العاطفية: لغة الحنين والتشوق والشوق والفرح والحزن، لغة الدهشة والتطلع والصور الغائمة، وبروز العنصر الذاتي العالي وسيطرة الخيال والعاطفة على القصيدة ...إلخ.

هذا الالتحام الطبيعي في عناصر الرومانسية لا يقابله التحام مماثل لعناصر الحداثة. وقد برهنت بداية الحداثة العربية عندنا على نوع من التراخي بين التقنية الجمالية والموقف والرؤيا في القصيدة. فقد رأينا في السبعينيات عشرات الشعراء العرب الشبان يهجمون بلهفة تكاد تكون طفولية على التجربة التقنية المعقدة في الصورة الشعرية، وهي في أساسها تجربة حداثية متميزة قام بها الشعراء الرواد في الستينيات وعلى رأسهم أدونيس، فيملؤون -أي جيل السبعينيات- مئات القصائد بهذه المغامرة الصورية المتطرفة التي باعدت بين طرفي التشبيه وقدمت صورًا تركيبية لا علاقة لها بتراثهم المنحدر إليهم عن مفهوم الصورة. غير أنهم تفاعلوا معها بألفة وشغف وإصرار واختراعٍ واعٍ وكأنها كانت مستقرة في اللاوعي تنتظر فرصتها للبروز. غير أن ما تحول في هؤلاء الشعراء، أو في أغلبهم، كان تقنياتهم لا مواقفهم ورؤاهم. فقد ولدت فيهم مقدرة جديدة على اقتحام مملكة الصورة الشعرية والتلاعب بها بشجاعة،كما ولدت فيهم جرأة مدهشة على الإيغال في اختراع تركيب معقد. ومع أن محأولاً تهم لم تنجح إلا نادرًا في عقد السبعينيات فإن جرأتهم البالغة حدّ الهوس تظل أمرًا مدهشًا. لقد كان التحوّل بالعنصر الجمالي في الشعر ينحو منحى التعقيد.

هذا ينقلنا إلى النقطة الثانية التي أود الحديث عنها. إنه لواضح إذ ندرس هذه الفترة أنّ جيل الرواد ومن جاء بعدهم مباشرة كانوا مستعدين بشكل لم يُسبَقْ له الدخول في مناطق شعرية لم يدخل إليها الشعر العربي من قبل. كان هذا نتيجة لتراكم المعرفة الفنية التي ورثها هؤلاء الشعراء كجزء من غريزتهم الشعرية وكانت أدوات الشعر في أواسط القرن العشرين ومن بعده قد أصبحت مرنة وقابلة للتفاعل مع التجارب الجديدة، وكان المناخ الشعري قد تبدل، أولاً نتيجة لما أطلقته التجارب السبّاقة المتلاحقة كالرومانسية والرمزية والسوريالية وتفاعلاتها وتفسيراتها من حساسية جديدة، وثانيًا نتيجة للخيبة السياسية الصاعقة بعد النكبة التي أفقدت التقاليد الشعرية الموروثة الكثير من قدسيتها.

هذا التسرّب المتلاحق للمعرفة الجمالية، والتحول الخفي في الحساسية الشعرية يفسران لنا مثلاً تجربة محمد الماغوط. فهنا نجد أن شاعرًا شابًا جاء من بلدة صغيرة وخلفية متواضعة ولم يحصل حتى على شهادة الثانوية ولم يعرف لغات أجنبية، استطاع أن يطلع علينا في نهاية الخمسينيات بشعر شديد التآلف مع مواقف وجماليات غير مألوفة بعد. فقد كان ديوانه "حزن في ضوء القمر"/ (1959م) انفصالاً كبيرًا عن الموروث الشعري وتغييرًا مدهشًا في استعمال الأدوات الشعرية: من لغة طازجة ذات نبض جديد وصور ساطعة مستمدة من حياة المدينة السورية، وطلاق كامل مع رؤيا الشاعر الرومانسية والقروسطية لنفسه كبطل منقذ، صاحب الكلمات الصاعقة، ينظر من الأعالي إلى الشعب المعذب، وهي رؤيا لم يتحرر منها شعراء مهمون أمثال خليل حاوي وأدونيس. لقد كان وجه الماغوط منذ أول كلمة كتبها وجه الضحية الحداثية التي حاصرتها مثالب القرن العشرين، وقد امتلأ وعيها بواقع العذاب الذي عليها أن تواجهه وتحاربه كل يوم إزاء شروع الواقع العربي وطغيانه في منتصف القرن العشرين.

إذن، فقد كانت هذه الحساسية الفنية المتقدمة ومن اللحظة الشعرية العربية في الخمسينيات جاهزة لتقبل الحداثة الشعرية ولو جزئيًا إلا أن التعبير عن هذا الوضع جاء عبر صنفين من التجارب، هما أولاً: ذلك النوع الانفرادي شبه المنعزل الذي بقي مكنونًا على إنجازاته دون أن يتمكن في ذلك الزمن المبكر من تعميم أسلوبه ودلالاته الحداثية للجوئه إلى الكتابة عن طريق النثر، والثاني هو: ذلك الإنجاز الحداثي التدريجي الذي كان له الصدى العميق لنبض العصر وإيقاعه، واستطاع أن يبعث في الخمسينيات عصبًا قويًا من التجديد الحداثي المطرد، فرأينا الشعراء يعتنقون العناصر الحداثية الواحد تلو الآخر، أحيانًا كأفراد وأحيانًا اعتناقًا جماعيًا كَما حدث في الاستجابة الواعية لاستعمال أسطورة الخصب والحياة بعد الموت في نهاية الخمسينيات .

ونجيء الآن إلى الإنجازات الحداثية عند السياب. كانت العقبة الكبرى أمام التحول الحداثي العام هو الشكل الشعري الموروث، أي شكل الشطرين. وقد كان تحرير الشكل مدينًا كثيرًا لتجربة السياب في هذا المجال. إنني آخر من يود أن يغمط حق نازك الملائكة في مجال هذه التجربة الانقلابية، فهي والسياب فرسا رهان فيها وكانت محاولتهما متزامنة، إلا أن الريادة في حديثنا عن أية تجربة لابد أن تعود إلى الشاعر الذي حوّل التجريب إلى تجديد راسخٍ وعُرْفٍ شعري يتبعه الآخرون. لقد كان أسلوب نازك ملكها وحدها، عصيًا على التقليد، ولم يقترن بمحأولاً ت حداثية واضحة، بينما اهتدى السياب إلى الأسلوب الذي أثّر في عصب جيله وأطلق إبداعاته في هذا المجال. ومن خلال تجاربه الناجحة الموحية في أوزان الشعر المختلفة: الكامل ثم الرجز، ثم الخبَبَ انطلق الشعر الحر حيث مكّن للتجربة الحداثية من النجاح العام عبره.

وهذه هي المأثرة الحداثية السيابية الأولى. وسوف نرى أن السياب في عقد الخمسينيات كان هو الشاعر الذي تمَّ على يديه تأصيل عدد آخر من الأعراف الشعرية الحداثية في الشعر العربي. فهو الرائد الأول الذي أرسى أصول الحداثة عمليًا وجعل لها أعرافًا؛ فكان ما إن يبدع تجربة جديدة حتى يأخذها عنه بقية الشعراء. تمّ كل هذا له بهدوء ودون ضجيج البيانات البلاغية ودون أن يصاحب إبداعاته أي موقف ادّعائي أو قيادي، وأهم من كل هذا دون أن تناقض إنجازاته الحداثية في التقنية الشعرية أية مواقف ورؤى تقليدية نحو الحياة والإنسان ونحو دوره كشاعر حداثي.

لعل دراسة السياب للأدب الغربي في نماذجه الحداثية لاسيما شعر ت.س إليوت Eliot وايديث ستويل Edith Sitwell كانت هي العنصر الحاسم في تغيره باتجاه حداثة شعرية عربية رائدة. ولكن هذا التعليل لا يكفي، فإن انجذاب السياب وشعراء جيله بكل تلك الطواعية والسرعة، إلى التجربة الشعرية الثورية كان يدل أيضًا، على تخمر المعرفة الشعرية واستعداد اللحظة الشعرية لتقبل هذا التغيير.

لم تكن فكرة اقتباس الأسطورة إلى الشعر جديدة، فقد حاولها الشعراء منذ جبران في العقد الثاني من القرن العشرين مرورًا بنسيب عريضة وأبي شادي وشفيق المعلوف وعلي محمود طه وسواهم؛ إلا أن هؤلاء إما أنهم لم يستطيعوا ترسيخ هذا العنصر ليصبح تجديدًا مستمرًا، وإما أنهم اقتبسوا الأساطير بشكل مسطح خال من الرمز.

أما السياب فقد استعمل أسطورة الخصب والحياة بعد الموت بحذق مرهف في قصيدته المفتاحية "أنشودة المطر" بدراسته لقصيدة إليوت الشهيرة "الأرض اليباب ". وكما استعمل إليوت أسطورة الخصب متخفية وراء رموزها، استعملها السياب كذلك، فجعل الماء محور القصيدة، ماء الخليج الذي يحمل الموت للمهاجر وماء المطر الذي يجيء بعد زمن القحط واليباب ليبعث الربيع النضر من قلب الشتاء، إشارة إلى إمكان انبعاث الحياة الطيبة بعد زمن الموت والاندحار. وقد نشر هذه القصيدة في مجلة (الآداب عام 1954) ففتح بها الطريق للسيل المفتعل قليلاً لأساطير الانبعاث المتعددة الأسماء. كان السياب في قصيدته تلك قد أطاع حدس الشاعر الأصيل فلم يذكر أسماء الآلهة القديمة في القصيدة ؛ إلا أن الشعراء من بعده استحضروا في شعرهم ما استطاعوا من الرموز الأسطورية بأسمائها؛ وكان على القارىء في نهاية الخمسينيات أن يدرس هذه الأساطير ودلالاتها حتى يستطيع فهمها، لأنها لم تكن حية في الذاكرة الشعبية، كما ينص الاستعمال الأسطوري عادة. وكان استعمالها في ذلك الوقت دليلاً على الأمل الباقي في نفوس الشعراء والمتلقين بإمكان البعث والعودة إلى الكرامة والحياة الحرة. غير أنها أصبحت زيًا، وككل زي في الشعر فإنها انتهت فجأة في مطلع الستينيات وكأن الشعر قد أصابه إرهاق جمالي منها. غير أنها نجحت في تأسيس الحس الأسطوري في الشعر؛ وكان إدخال الأسطورة الرمزية بنجاح إلى الشعر إنجازًا حداثيًا مهمًا يدين إلى السياب بوجوده الأساسي. فإن كانت أسطورة البعث التي تضمنت أسماء الآلهة الفينيقية قد خسرت جاذبيتها سريعًا عند الشعراء والقراء حتى أنه لم يعد ممكنًا بعد مدة قصيرة من ازدهارها أن يقربها أحد، فإن العنصر الأسطوري توطد في الشعر ووجد له تعبيرًا قويًا عن طريق استعمال الزمن الأسطوري والنماذج العليا. وفي هذا التجديد الآخر كان السياب هو الرائد الأول.

ففي سنة 1956 نشر السياب في مجلة الآداب أيضًا قصيدته الشهيرة "في المغرب العربي" محتفيًا فيها بالثورة الجزائرية التي كانت مشتعلة وقتئذ. كان موضوع البعث والتجديد يهيمن عليها وكانت تتضمن رموزًا من النماذج العليا المأخوذة من التاريخ العربي الإسلامي الحي في الذاكرة الشعبية. كالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وجماعة الصحابة والأنصار الذين بشروا ببزوغ فجر الحضارة العربية. غير أن عظمة هذه الحضارة انهارت بسبب الضعف الداخلي وموت المقاومة والبسالة، وعندها فإن الله حجب وجوده عن الناس فماتت فيهم حرارة الإيمان ليعود الانبعاث إلى الحياة من جديد بفضل الثورة الجزائرية.

إن قصيدة "في المغرب العربي" قصيدة معقدة شديدة التأثير، وقد أعطت مثالاً أولاً ناجحًا لاستعمال الزمن الأسطوري في الشعر، ولقدرة الحدث على تكرار نفسه في تاريخ الأمة، وقدرة الشخصية التاريخية الحية في ذاكرة الأمة على أن تستلهم من جديد لتعطي المعنى لما يحدث الآن وتولد شعورًا قويًا بالوحدة وبالإرث الروحي المشترك.

وقد كان من حظ الشعر العربي أن المثال الأول على هذا الاستعمال الحداثي الرفيع مثلته قصيدة عامرة من أجود الشعر الحديث. فقد كثرت بعدها نماذج الشعر التي استعملت الزمن الأسطوري لتدل على استمرارية تاريخية في الأمة، كما استعملت النماذج العليا المأخوذة من التاريخ العربي لتشير الى قدرة هذه النماذج. غير أن عددًا وافرًا من هذه الرموز التاريخية اختُير لسلبيته ليكون هجاء لاذعًا للوضع العام، لاسيما بعد نكسة سنة 1967. ولكن رغم المبالغة في تأويل بعض الأمثلة، إلا أن سيطرة الشاعر العربي على هذين العنصرين أصبحت سلاحًا شعريًا راقيًا للتعبير الموارب عن قضايا وجودية وتاريخية كبيرة. ولا شك أن اقتباس هذين العنصرين كان مكسبًا كبيرًا للشعر العربي، يعود في أساسه إلى التجربة السيابية؛ وهي المأثرة الحداثية الثالثة للسياب.

ومأثرته الرابعة هي أنه كان رائدًا بارزًا في استعماله لموضوع المدينة، وكان معه آخرون. إن المدينة رمز حداثي أصيل في الحداثة الغربية. فقد ولدت الحداثة الغربية في زمن اكتساح التصنيع للحياة في الغرب. والصناعة تنشأ في المدن، والأدب الذي نجم عن هذه الفترة في الغرب كان أدبًا هُجرت فيه الطبيعة وأصبحت أبعاد المكان أبعادًا مدنية؛ فكان الشاعر الحداثي يرى المدينة غولاً ومركزًا للفساد والظلم والجريمة فوصفها وصفًا سلبيًا كصحراء مكتظة متحجرة مليئة بالأسى والضجر.

أما المدينة السيابية فهي مكان الغربة الذي وجد فيه الشاعر الريفي نفسه بعد صفاء جيكور. وقد رآها سجنًا مُسَوّرًا وبؤرة للمؤسسات الطغيانية بقوّتها البوليسية الغشيمة وبجيش المخبرين الذي ترعاه. وهي أيضًا مسكن آلاف الفقراء والمنبوذين الذين كانوا يعيشون على هامشها ويعانون الظلم الذي تفرضه على ضحاياها. ولا شك أن اهتمام السياب بالماركسية في ذلك الوقت المبكر من حياته جعله أقوى إحساسًا بالمظالم التي كان يعاني منها فقراء المدينة وبقاياها والمنبوذون والضائعون فيها، فأرسى موضوع المدينة في الشعر العربي كرمز بالغ الأهمية.

ومن أعماق عذابه الشخصي كريفي جاء إلى المدينة ساعيًا وراء العلم والرزق يرى السياب نفسه ضائعًا مليئًا بالغربة، ضحية لعنف المدينة. ومن جديد يبرز وجه الشاعر الحداثي في مأثرة السياب الحداثية الخامسة. وهي مأثرة تتناول الموقف لا التقنية في الشعر الحداثي، موقفه من العالم ورؤياه لنفسه. فهو ليس البطل القائد الممتلىء بإرادة الإنذار والتبشير، الذي ينظر من الخارج إلى بؤرة العذاب والمعاناة ويدل على منابع الفساد والانهيار في عالم الآخرين فحسب، بل هو ضحية مثلهم، وجزء لا يتجزأ من العالم الذي يرفضه؛ إنه موقف حداثي بامتياز.

ترى ما هي الأبعاد الشعرية التي كان سيصل إليها السياب لو لم يهاجمه المرض وهو لا يزال في أوج تفوقه الإبداعي؟ إني أشعر إذ أدرسه بأني أدرس مشروعًا لم يكتمل وبأن الحكم على إنجازاته حكم منقوص لأننا لا نعرف كيف كان شعره سيتّجه بعد ديوان "أنشودة المطر" لو لم يضطر إلى الاستسلام إلى المرض والذكريات والتشوّفات الشخصية. غير أن ما نعرفه هو أنه كان شاعرًا ورائدًا كبيرًا كسب الشعر العربي بوجوده مكسبًا لا حدود له وخسر بموته خسارة لا تعوض.