X
تبلیغات
www.alarabi.ir
www.alarabi.ir

الاتجاه الأسطوري في النقد العربي الحديث

الدكتور جميل حمداوي

 يعد الاتجاه الأسطوري أو النقد الأنتروبولوجي من أهم المناهج النقدية الحديثة التي استلهمها النقاد العرب المحدثون من الساحة النقدية الغربية عن طريق الترجمة والمثاقفة بعد منتصف القرن العشرين. ويدرس هذا المنهج النقدي الأساطير والرموز الخيالية التي تكون بديلا وتعويضا لماهو واقعي ومادي، في حين تكون الرموز وسائط وعلامات بين الداخل الذاتي والواقع الخارجي الموضوعي ذي الأساس الواقعي /المادي. إذا ما هو المنهج النقدي الأنتروبولوجي؟ ومامرتكزاته؟ وماهي أهم النماذج النقدية الغربية والعربية ؟ وماهي مصطلحاته ومفاهيمه؟ وماهي سلبياته وإيجابياته؟ تلكم هي الأسئلة التي سنرصدها في الصفحات التالية.

 

أ- مفهوم الأنتروبولجية والنقد الأسطوري:

 ظهرت الأنتروبولوجية كنظرية علمية في القرن التاسع عشر وكان يمثلها إدوارد تايلورEdward Taylor وفريزرJames G.Frazer، وكان هدفها تتبع بدايات الجنس البشري وتاريخه المبكر ودراسة لمورثاته الثقافية والطبيعية بأنواعها. أي تدرس هذه النظرية الإنسان في بداياته البدائية والفطرية وتطوراته اللاحقة ومعرفة كيف انتقلت الترسبات الإنسانية الأولى وراثيا من الأسلاف إلى الأحفاد عن طريق الأجداد والآباء على غرار قوانين وراثة العالم البيولوجي مندلMendel. كما تنصب الأنتروبولوجية على دراسة اللاشعور الجمعي والعقل الباطن وكيف تترسب كثير من العادات والمعارف البشرية المشتركة في ذهن الإنسان. وتدرس هذه النظرية الطقوس والعادات والديانات والشعائر والأساطير والثقافة والطبيعة والطابو والطوطم والسحر والشعوذة والفنون والآداب.... وقد استفادت النظرية من علوم عديدة كعلم النفس وعلم الاجتماع واللسانيات والبيولوجيا والفلسفة والتاريخ.... ومن المعلوم أن الموروثات البشرية تتشكل في شكل رموز وعلامات اجتماعية" وتعرض للأفراد كأنها أحلام، وللمجتمع في أشكال حوادث تاريخية تؤثر في أغلب أبنائه تأثيرا موحدا، لأنها هي نفسها تتخذ أشكالا محددة أو أنماطا ثابتة من أنماط السلوك". ويرتبط هذا العلم الاجتماعي الجديد الذي يدرس الإنسان والوراثة الثقافية البشرية بالنقد الأسطوري المختص بدراسة العلاقة الموجودة بين اللاشعور الجمعي المشترك وتصورات الجنس البشري البدائية والأثر الأدبي. وتتمظهر هذه العلاقة في بنية الأساطير وهي عبارة عن رموز خيالية يخلقها المبدع ليكشف مشاعره الباطنية وأغوار النفس البشرية. وهذا الاتجاه النقدي الأسطوري تطور انطلاقا من الأنتروبولوجية الثقافية أو الطبيعية(كلود ليڤي شتراوس K.L.Strauss، وموكاروفسكي Mokarovsky،...) ، وفلسفة الأشكال الرمزية عند إرنست كاسيرر Ernest Cassirer الذي اعتبر الإنسان حيوانا رامزا، ونظرية اللاشعور الجمعي عند كارل يونغJung. . وإذا أردنا أن نعرف اللاشعور الجمعي الذي يعد خزانا للرواسب الثقافية البشرية البدائية، فإننا نعرفه بأنه عبارة" عن صور ابتدائية لا شعورية أو رواسب نفسية مختلفة لتجارب ابتدائية لا شعورية أسهم في تركها أسلاف العصور البدائية وورثت – بطريق ما- في أنسجة الدماغ، ويتم التعبير عن الوقائع العصرية في حياة أي مجتمع عن طريق ربطه بهذه النماذج، إذ لابد أن يعرف الجديد بالقديم على أساس أن الجديد غامض غريب والقديم واضح مألوف". ويعني هذا أن مجموعة من النماذج العليا البدائية ترد عند الأفراد المعاصرين وخاصة الفنانين والمبدعين في قصائدهم الشعرية وأعمالهم الفنية في شكل رواسب رمزية وحلمية وخيالية تختفي داخل النص عبر الصور الشعرية والفنية لتخلق عالما من الرموز الأسطورية التي تذكر الإنسان الحاضر بماضيه. وهذا يؤكد ترابط الحاضر بالماضي وارتباط الإنسان المعاصر ثقافيا وطبيعيا بالإنسان البدائي الأول. فكل القوالب الفنية المتكررة والمطردة تدل على هذا الترابط اللاشعوري بين الناس . و تتحول هذه النماذج العليا المشتركة إلى رموز جماعية إنسانية تتجاوز الظاهر والزمان والفضاءات المكانية الضيقة لتصبح كل الدوال والعلامات ظواهر جماعية مشتركة متعالية تتجاوز الزمان والمكان بطريقة ميتافيزيقية. وهذا يبين لنا بأن الإنسان يخلق وهو مزود بقدرات عقلية بدائية فطرية تذكره دائما بولادته الأولى و بأجداده وآبائه وما يشترك معهم من مميزات ثقافية وطبيعية. ومن ثم، فالثقافة لها أصل طبيعي والعكس صحيح أيضا. ويصبح الإنسان ضمن هذا الطرح له تاريخ وبداية وثقافة وذاكرة وماض وتقاليد وشعائر وطقوس ويخضع لتطورات بيولوجية وثقافية حسب منظور التطور الدارويني . و يكرر الإنسان المعاصر نفس المتعاليات الطقوسية عبر مجسدات تعويضية عدة كالفن والشعر والسحر والدين والفلكلور واللعب والسيرك والمسرح والرقص والأساطير والأحلام والرسم...ويعبر من خلالها عن ذاته وصراعها مع الواقع الموضوعي وتوقها إلى الوحدة الملحمية البدائية التي تتجسد فيها كلية الذات والموضوع.

 

ب‌- خطوات المنهج الأسطوري:

يعتمد المنهج الأسطوري الأنتروبولجي كالمنهج النفسي على خطوتين أساسيتين إجرائيتين، وهما: الفهم والتفسير. ويعني الفهم قراءة النص الإبداعي وفهم دلالاته اللغوية ومضامينه المعنوية وتفكيك شبكة صوره البلاغية ورموزه الخيالية ورصد كل المفاهيم المتكررة والمطردة وما تنسجه الصور من تيمات وموضوعات متواترة ومتكررة ثابتة. وبعد ذلك يأتي التفسير ليقوم بعملية التأويل ضمن التصور الأسطوري باحثا عن النماذج العليا ومفاهيم العقل الباطن ورواسب اللاشعور الجمعي قصد ربطها بالنماذج العليا البدائية والفطرية أي بالثقافة الأولى. كما يعمد الدارس إلى دراسة الرموز والمتعاليات والصور الخيالية كرواسب ثقافية بدائية تذكر الإنسان المعاصر بالإنسان البدائي وتطوراته الحضارية وما بينهما من طقوس مشتركة موروثة. وتشكل هذه الأنماط المتعالية " أحد الأسس التي قام عليها التفسير النمطي أو التفسير الأسطوري الذي أصبحت مهمة الناقد فيه إنسانية في المقام الأول، فالناقد لا يكتفي بمجرد البحث عن جماليات العمل الفني ولا يقنع بشرحه وتفسيره ولا يرضى بإيجاد الروابط بينه وبين صاحبه أو أحوال مجتمعه ولكنه يتجاوز ذلك كله حين يبحث عن الماضي الثقافي والاجتماعي والإنساني لهذا العمل الأدبي". و يتبين لنا من خلال هذه القولة مجموعة من خطوات المنهج الأسطوري وهي:

 * شرح النص وتفسيره؛

* البحث عن جماليات العمل الفني؛

* ربط النص بصاحبه وأحوال مجتمعه؛

* التعامل مع ظواهر النص لا كظواهر فردية بل كظواهر جماعية؛

* تحديد شبكة الصور الفطرية والبدائية ذات الطاقة الخيالية الرمزية والأسطورية؛

* تأطير النماذج العليا والأنماط البدائية التي تشكل مقولات طقوسية وأسطورية؛

* البحث عن الماضي الثقافي والاجتماعي والإنساني لهذا العمل الإبداعي.

 

ج- مصطلحات المنهج ومفاهيمه الإجرائية:

 يشغل المنهج الأسطوري في مقاربة النص الإبداعي كثيرا من المفاهيم الاصطلاحية التي يستعملها التحليل النفسي اليونجي والأنتروبولوجية الاجتماعية كاللاشعور الجمعي والعقل الباطن والنماذج العليا والنماذج البدائية والطقوس والميثوديني والأسطورة والشعائر العقائدية والطابو والطوطم والأنماط العليا والرغبات اللاواعية والقران المقدس والرموز والبنيات الخيالية والصور الخيالية والرؤى الأسطورية والتعويض والبدائية والإسقاط والترميز والحدس والإحيائية والإبداع الكشفي والتجارب الأولية البدائية والتجارب الأصيلة والصور البدائية الفطرية وأنماط التحول والميلاد الجديد أو العبور والتفسير النمطي والأحلام والنفس البشرية والظواهر الجماعية والأنا والعالم.......

 

د- الاتجاه الأسطوري في النقد الغربي:

ساهم كثير من الدارسين في إرساء النقد الأنتروبولوجي والأسطوري داخل الحقل الثقافي الغربي منهم إدوارد تايلورTaylor، وأندرو لانج Andrew Lang ، وهارتلاند Hartland ، وكرولي Crawley ، وفريزرFrazer صاحب الغصن الذهبي ، و إرنست كاسيرر، وكلود ليفي شتراوس Claude L. Strauss ،وكارل يونج K.Yung، وهاريسون J.E.Harisson ، وكونفورد F.M.Karnford ، وجلبرت موري Gilbert Murray ، ولورد راجلان Raglan ، وكينيث بيرك Kenneth Burke ، وهيردر Herder ،وفيكو Vico ، وسوزان لانجر... وقد تجسدت كثير من الأفكار الأسطورية النظرية في كتابات النقاد الغربيين كما نجد عند فور بوركين في" نماذج نمطية الأصل في الشعر" سنة 1949م، وفرانسيس فيرجسون Francis Fergusson في" فكرة المسرح" سنة 1949، ونوثرب فرايFraye في" التماثل المزج" سنة 1947، وفيليب هولرية في " النافورة المحترقة" سنة 1954، ورولان بارت Barthes في "الأساطير" سنة 1957... وكانت هذه الدراسات تهدف إلى إرساء نظرية عامة للأدب الأسطوري. وهناك من الدارسين في الغرب من حلل الأسطورة من الناحية المضمونية ومعطياتها الدلالية الرمزية والوظيفية ويوجد من هؤلاء الكثير والكثير، وهناك من درس الأسطورة من حيث البنية الشكلية كما فعل كلود ليڤي شتروس وفلاديمير بروب.

 

هـ- الاتجاه الأسطوري في النقد العربي:

 ظهرت دراسات كثيرة تحاول دراسة الأدب العربي قديمه وحديثه على ضوء المنهج الأسطوري في العقود الأخيرة من القرن العشرين كمصطفى ناصف في كتابه:" قراءة ثانية لشعرنا القديم"، وعبد الفتاح محمد أحمد في كتابه" المنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي" ، وأحمد كمال زكي في " التفسير الأسطوري للشعر القديم" ، وسمير سرحان في" التفسير الأسطوري في النقد الأدبي" ، وفريال غزول في" المنهج الأسطوري مقارنا" ، وإبراهيم عبد الرحمن في" التفسير الأسطوري للشعر الجاهلي" وعلي البطل في " الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري" ، والدكتور مصطفى عبد الشافي الشورى في" شعر الرثاء في العصر الجاهلي" ، والدكتورة ثناء أنس الوجود في" رمز الأفعى في التراث العربي"، ونصرت عبد الرحمن في "الصورة الفنية في الشعر الجاهلي على ضوء النقد الحديث"، والدكتور عبد الجبار المطلبي في" مواقف في الأدب والنقد"، والدكتور محمد نجيب البهبيتي في" المعلقة العربية الأولى أو عند جذور التاريخ"... وما يلاحظ على هذه الدراسات الأسطورية أن هناك من الكتابات النقدية التي سقطت في الانطباعية وانعدام التوثيق مثل دراسة الدكتور مصطفى ناصف " في قراءتنا لشعرنا القديم" الذي حدد مجموعة من الأنماط العليا والنماذج البدائية كالفرس والطلل والناقة والمطر والمرأة، ولكنه تحدث عنها بطريقة انطباعية سطحية بدون توثيق تاريخي وعلمي ورؤية منهجية متكاملة محددة القسمات. أي إن المنهج الأسطوري في كتابه يصعب تحديده بكل وضوح للقارئ البسيط والمبتدئ بل حتى المثقف منه؛ لأن الدارس لم يحدد منهجه في مقدمة الكتاب بشكل دقيق ومركز ليفهم القارئ منظور الناقد ومرتكزاته النظرية والمنهجية والتطبيقية. كما ساهم التطويل والإسهاب والاستطراد والإطناب في تضخيم حجم الكتاب ونفور القارئ منه بسبب جفاف اللغة الواصفة التي تخاطب العقل والمنطق والإدراك الذهني دون استدلال تاريخي أو ثقافي على هذه الرموز في الجزيرة العربية. ويساير الكاتب في هذه الانطباعية كل من الدكتور نصرت عبد الرحمن والدكتور أحمد كمال زكي، بينما اهتمت دراسات كل من الدكتور المطلبي والدكتورة ثناء أنس الوجود بأمر التوثيق والنبش التاريخي والعلمي على حساب الغرض المقصود من الدراسة الأسطورية. بينما تبقى دراسة الدكتور علي البطل للصورة في شعر ما قبل الإسلام" أبرز هذه الدراسات حتى وقتها من وجهة نظر البحث على ضوء المعايير السابقة( الخلو من الانطباعية، والتوثيق، وتكامل الرؤية المنهجية)، حيث قدمت دراسته على ضوء هذا المنهج رؤية متكاملة للشعر الجاهلين على أساس فهم واضح لطبيعة الصورة فيه مع العودة إلى بدايات النمو"الميثوديني" والكشوف الآثارية. وعلى الرغم من جدة وقيمة ماوصلت إليه هذه الدراسات، فإن فروضها في بعض الأحيان تحتاج إلى توثيق بعودة أشمل إلى العلوم الأركيولوجية والنقوش القديمة والأساطير السامية."

 

و- تقويم المنهج الأسطوري:

من إيجابيات المنهج الأسطوري أنه يسعفنا في تحليل النص الأدبي أنتروبولوجيا واجتماعيا وثقافيا وإنسانيا ، ويساعدنا على تأويل صوره الفنية والشعرية انطلاقا من ربط الحاضر بالماضي ، ورصد شبكة الصور التي تتحول إلى رموز ونماذج عليا التي تذكر المبدع بأصوله الإنسانية الفطرية والطبيعية وبثقافته الأولى. كما يتجاوز المنهج الدلالات السطحية ويعمد إلى تفكيك الظاهر وتجاوزه نحو الباطن وذلك باستقراء اللاشعور الجمعي والعقل الباطن. وتتحول القصيدة أو النص الأدبي إلى وثيقة أسطورية وأركيولوجية تحفر في الذاكرة وتنبش ماضي البشرية و تكشف طقوس الإنسان وعاداته وشعائره وثقافته وطبيعته البدائية. هذا، ومن شروط نجاح النقد الأسطوري خلوه من الانطباعية والأحكام الذاتية الخاضعة للتأويل الشخصي، والاعتماد على التوثيق، وتماسك المنهج وتكامل الرؤية. بيد أن هذا المنهج له سلبيات تتمثل في إهمال الجوانب الفردية للمبدع التي يهتم بها الجانب النفسي الفرويدي، ويقصي النص أيضا كبنية وعلامات سيميائية التي يركز عليها المنهجان البنيوي اللساني والمنهج السيميوطيقي، ويغفل دور المتلقي في بناء النص الذي تهتم به كل من جمالية التقبل وجمالية القراءة. لذلك يعد المنهج التكاملي أفضل المناهج النقدية؛ لأنه يحيط بالنص الأدبي من جميع جوانبه ومستوياته التركيبية والبنائية ( العتبات، والمبدع، والنص، والقارئ).

 

استنتاج نهائي:

وعلى الرغم من سلبيات المنهج الأسطوري والنقد الأنتروبولوجي في فهم النص الأدبي وتفسيره وتأويله، فإنه يبقى منهجا ناجعا في مقاربة رموز العمل الإبداعي من خلال تحديد نماذجه التصويرية البدائية وربط حاضر المبدع بماضي الإنسان البشري والتغلغل في أعماق النص العرفانية والباطنية والفلسفية والاجتماعية والوراثة الثقافية قصد رصد الظواهر الجماعية ، ولكن بشروط علمية ضرورية كالابتعاد عن الانطباعية واللجوء إلى التوثيق التاريخي والأركيولوجي واحترام خطوات المنهج الأسطوري تصورا ورؤية وتطبيقا. ولكن يبقى المنهج النقدي التكامل أفضل المناهج في مقاربة النصوص الأدبية؛ لأنها يحيط بالعمل الإبداعي من كل جوانبه الدلالية والفنية والمناصية والمرجعية. ملاحظة: جميل حمداوي، صندوق البريد 5021 اولاد ميمون، الناظور المغرب/


نوشته شده در تاريخ شنبه 1391/01/26 توسط شاهسونی (دکترای زبان و ادبیات عربی)

"موسيقى الشعر"

د. عبد العالي مجدوب

يدور مضمون هذه المقالات على بحث نظري في "موسيقى الشعر"، أركز فيه على تبيان أهمية "الوزن" في الإبداع الشعري، وأن الشعر العربي، منذ اكتمل نضجه، لم يزل لصيقا بصناعة الألحان، نظما وإنشادا ودندنة. وسأختم بمقالة تبين تهافت دعوى الحداثيين اللادينيين المتطرفين أن التحديث حكم حكمه المبرم أن يموت "الوزن" أصلُ كل الشرور، في زعمهم وحكمهم النهائي الظالم، ليحل محله "الإيقاع" بما حمّلوه من مفهوم فضفاض لا علاقة له بصناعة الشعر، وإنما هو، عند التحقيق، الادعاء والفوضى وفساد الذوق. وإلى المقالة الأولى، متمنيا للقراء الأعزاء قراءة مفيدة وممتعة، أي قراءة "جميلة". الشعر والغناء "الغناء حلّة الشعر، إن لم يلبسها طُويت." (العمدة، لابن رشيق: 1/39) "الصناعة الشعرية هي رئيسة الهيئة الموسيقية..." (كتاب الموسيقى الكبير، لأبي نصر الفارابي: 3/1093) لقد اقتبست عبارة "موسيقى الشعر" من عناوين بعض الكتب، ككتاب "موسيقى الشعر"، للدكتور إبراهيم أنيس، وكتاب "موسيقى الشعر العربي" للدكتور شكري عيّاد. ولعل مخترع هذه العبارة كان موفقا، إلى حدّ كبير، في إضافة الموسيقى إلى الشعر، لأنها إضافة تربط بين فنين اثنين، المضاف والمضاف إليه، كلاهما ينتمي انتماء طبيعيا-أقول طبيعيا، وليس فلسفيا أو أكاديميا على سبيل الدراسة الفكرية- لجنس أوسع وأشمل هو جنس تركيب الأصوات وتأليف الألحان. فالأصوات، بخصائصها، وأنواعها، وأوصافها، وتعدد صور تأليفها وأشكال أدائها، هي جنس يشمل، فيما يشمل من الأنواع، فنَّـيْ الشعر والموسيقى. وفي بعض المصادر ترد الإشارة إلى فن الموسيقى بعبارة "علم الألحان" و"صناعة الألحان" (العقد الفريد، لابن عبد ربّه: 7/3)، وعبارة "صناعة الإيقاع" (المزهر، للإمام السيوطي: 2/470)، وعبارة "تأليف اللحون"(البيان والتبيين، للجاحظ: 1/208). وقد عرّفوا الموسيقى بأنها "صناعة في تأليف النغم والأصوات ومناسباتها وإيقاعاتها وما يدخل منها في الجنس الموزون والمؤتلف بالكمية والكيفية."(كتاب الموسيقى الكبير، لأبي نصر الفارابي: 1/15) وعرّفوا الإيقاع بأنه "هو نظم أزمنة الانتقال على النغم في أجناس وطرائق موزونة تربط أجزاء اللحن، ويتعين بها مواضع الضغط واللين في مقاطع الأصوات."(نفسه: 2/436، هامش رقم(1)) وقد وضح أبو نصر الفارابي الفيلسوف "أن الموسيقى والشعر يرجعان إلى جنس واحد هو التأليف والوزن والمناسبة بين الحركة والسكون. فكلاهما صناعة تنطق بالأجناس الموزونة. والفرق بينهما واضح في أن الشعر يختص بترتيب الكلام في معانيها على نظم موزون، مع مراعاة قواعد النحو واللغة. وأما الموسيقى فهي تختص بمزاحفة أجزاء الكلام الموزون، وإرساله أصواتا على نسب مؤتلفة بالكمية والكيفية في طرائق تتحكم في أسلوبها بالتلحين." (كتاب الموسيقى الكبير: 1/16-17) وارتباط الشعر بالموسيقى، وبالغناء تحديدا، قديم في التاريخ. وقد استنتج الدكتور البهبيتي، في دراسته لتاريخ الشعر العربي، أن عهد اقتران الشعر بالغناء، عند العرب، هو عهد قديم "لا يمكن أن يقع في حدود المائتي سنة السابقة للإسلام، وهي الفترة التي يقع فيها شعر شعراء الجاهلية المعروفين لنا جميعا." (تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري، ص92) وفي الموشح، للمرزباني، عن عبد الله بن يحيى، قال: "كانت العرب تغنّي النَّصْبَ، وتمد أصواتها بالنشيد، وتزن الشعر بالغناء؛ فقال حسان بن ثابت:

 تغنّ بالشعر إمّا كنت قائلـــه *** إن الغناء لهذا الشعر مضمــار." (الموشح، ص52-53) قال ابن رشيق: "فأما النّصْبُ فغناء الركبان والفتيان، قال أبو إسحاق بن إبراهيم الموصلي: وهو الذي يقال له المرائي، وهو الغناء الجنابي، اشتقه رجل من كلب يقال له جناب بن عبد الله بن هبل، فنسب إليه، ومنه كان أصل الحُداء كله، وكله يخرج من أصل الطويل في العروض." (العمدة: 2/313) وذهب ابن رشيق إلى أن "غناء العرب قديما على ثلاثة أوجه: النّصب، والسّناد، والهزج. "فأما النصب فغناء الركبان والفتيان… "وأما السناد فالثقيل ذو الترجيع، الكثير النغمات والنبرات… "وأما الهزج فالخفيف الذي يرقص عليه، ويمشي بالدفّ والمزمار، فيطرب، ويستخف الحليم. "قال إسحاق: هذا كان غناء العرب حتى جاء الله بالإسلام." (العمدة: 2/313-314) ويطلق الهَزَجُ، في اللغة، على الرّنة، وعلى الصوت المطرب، والصوت الذي فيه بَحَح، والصوت الدقيق مع ارتفاع. ويطلق، أيضا، على كل كلام متقارب متدارك، كما يطلق على الخفة وسرعة وقع القوائم ووضعها. وقيل: التهزّج صوت مطوّل غير رفيع…(لسان العرب: مادة(هزج)). وهذه المعاني كلها تدل على أن هناك نوعا من الإيقاع الموسيقي. والهزج، في الاصطلاح العروضي، هو الذي يجيء وزنه على "مفاعيلن" أربع مرات، وهو في الدائرة الثالثة مع الرجز والرّمل.(انظر كتاب "المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها"، للدكتور عبد الله الطيب: 1/104 وما بعدها، وكتاب "الكافي في العروض والقوافي"، للخطيب التبريزي، ص73 وما بعدها). ومن أنواع الغناء التي عرفتها الحياة البدوية العربية، والتي لم تكن تنفك، في أدائها، عن شكل من أشكال الإيقاع الموسيقي، الحُداءُ والتّغْبير. أما الحداء فهو سوق الإبل بالغناء لها. وقد كان الإيقاع الموسيقي حاضرا في أصل نشأة الحداء. فمن الروايات التي رويت في هذا الصدد، أن مضر بن نزار "سقط عن جمل فانكسرت يده، فحملوه وهو يقول: وايداه، وايداه، وكان أحسن خلق الله جرما وصوتا، فأصغت الإبل إليه وجدّت في السير، فجعلت العرب مثالا لقوله: "هايداه هايداه" يحدون به الإبل." (العمدة: 2/315). راجع روايات أخرى في أصل ظهور الحداء في المصدر نفسه: (2/314-315). "وأما التغبير فهو تهليل أو تردد صوت، بقراءة أو غيرها، حكى ذلك ابن دريد."(العمدة: 2/315) "وحكى أبو إسحاق الزجاجي قال: سألني بعض الرؤساء: لم سُمّي التغبير تغبيرا؟ قلت: لأنه وضع على أنه يُرغّب في الغابر، أي الباقي، أي يرغب في نعيم الجنة وفيما يعمل للآخرة."(العمدة: 2/315) وقال الأزهري: "وقد سمّوا ما يطرّبون فيه من الشعر في ذكر الله تغبيرا، كأنهم إذا تناشدوها بالألحان طرّبوا فرقصوا وأرهجوا [أثاروا الرَّهَج أي الغبار]، فسُمُّوا مُغَبَّرة." لسان العرب: مادة(غبر)). ومعنى التغبير، في اللغة، إثارة الغبار، وكذلك الإغبار. وقد أكد الجاحظ رجوع هذه الأنواع الغنائية، في أصلها، إلى صناعة الألحان، حيث ذكر أن الرجل قد "تكون له طبيعة في الحُداء أو في التغبير، أو في القراءة بالألحان، وليست له طبيعة في الغناء، وإن كانت هذه الأنواع كلها ترجع إلى تأليف اللحون." (البيان والتبيين: 1/208) وهناك بعض الأوزان الشعرية يرتبط اسمها، في الاصطلاح العروضي، بنوع من الإيقاع المحسوب الحركات والوقفات، كالخبب والرجز مثلا. فـَ"الخبَبُ ضرب من العدو…وقيل الخببُ السرعة"(لسان العرب: مادة(خبب)). وقيل في وزن الخبب إنه "يشبَّه بالرجز في رجل الناقة ورِعْدَتها، وهو أن تتحرك وتسكن، ثم تتحرك وتسكن…وقال الأخفش مرة: الرجز، عند العرب، كل ما كان على ثلاثة أجزاء، وهو الذي يترنّمون به في عملهم وسوقهم ويحدون به…" (نفسه: مادة(رجز)) ويرى الدكتور عبد الله الطيب، رحمه الله، أن الخبب- وقد عدّه في الأوزان القصار- لا يصلح "إلا للحركة الراقصة الجنونية" (المرشد:1/80)، وأن بعض أوزان الرجز القصير، وهما وزنان- الأول يكون بتكرار "مستفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلْ" مرّتين، والثاني بتكرار "مُتَفْعِلُنْ" أربع مرّات- "يصلحان جدّا للأناشيد المدرسية وما بمجراها من أشعار الصغار." (نفسه: 1/81) وقد أورد صاحب "العقد الفريد"، في "كتاب الياقوتة الثانية في علم الألحان واختلاف الناس فيه"، أخبارا وحكايات تفيد كلها شدة هذا الارتباط والتلازم الذي كان بين الشعر والغناء في الحياة العربية. وفي حديث من هذه الأحاديث أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال للنابغة الجعدي الشاعر: "أسمعني بعض ما عفا الله عنك من غنائك. فأسمعه كلمة له. قال[أي عمر]: وإنك لقائله؟ قال: نعم. قال: لطالما غنّيْت بها خلف جمال الخطّاب." (العقد الفريد: 7/9-10). راجع أمثلة أخرى من هذه الأحاديث في الكتاب المشار إليه من هذا المصدر. وفي هذا الغرض قال ابن عبد ربه: "وإنما جعلت العرب الشعر موزونا لمدّ الصوت فيه والدّندنة، ولولا ذلك لكان الشعر المنظوم كالخبر المنثور." (نفسه: 2/8) "ويقولون: فلان يتغنّى بفلان أو بفلانة، إذا صنع فيه شعرا. قال ذو الرّمة:

 أحبّ المكان القفر من أجل أننـي *** به أتغنّى باسمها غير مُعْجِــــمِ. "وكذلك يقولون: حدا به إذا عمل فيه شعرا. قال المرار الأسدي:

ولو أنّي حدوْتُ به ارفأنّت *** نعامته وأبصر ما يقــول." (العمدة: 2/313) ارفأنّت: اطمأنت وسكنت. وقد كان الشعراء يستطيعون معرفة عيوب شعرهم بالغناء، كما في خبر النابغة الذبياني حين دخل إلى المدينة، "فقالوا له: قد أَقْـوَيْت في شعرك، وأفهموه فلم يفهم، حتى جاؤوه بقينة فجعلت تغنّيه: "أمن آل ميّة"، وتبيّنُ الياء في "مزودِ" و"مغتدِي". "ثم غنت البيت الآخر فبينت الضمة في قوله: "الأسودُ" بعد الدال. ففطن لذلك، فغيّره، وقال: "وبذاك تنعابُ الغراب الأسودِ""(الموشح، ص52). والإقواء في الشعر هو رفع بيت وجر آخر، ومثال ذلك قول النابغة من قصيدته المخفوضة التي مطلعها:

 أمن آل ميّة رائح أو مغتــــدي *** عجلان ذا زادٍ وغير مُــــــزوّدِ زعم البوارحُ أن رحلتنا غـــدا   *** وبـذاك خبّرنا الغرابُ الأســــودُ.

 (الموشح، ص51). والبوارح: ما يتشاءم به من طير أو وحش. وقد ورد في أشعار المتقدّمين ما يفيد أن تعاطي الغناء بالأشعار كان معروفا عندهم منذ القديم، كقول أبي النجم يصف قينة:

 تغنّيْ فإن اليوم يومٌ من الصّبــا *** ببعض الذي غنّى امرؤُ القيس أو عمرو فظلت تغنّي بالغبيط وميلـــــه *** وترفع صوتـا في أواخـره كســرُ

.(الشعر والشعراء، لابن قتيبة، ص54) وقول عبدة بن الطبيب، من قصيدته التي مطلعها:

هل حبل خولةَ بعد الهجر موصولُ *** أم أنت عنها بعيد الدار مشغـولُ (…)

 ثم اصطحبتُ كُميتا قَرْقَفاً أُنُفـا *** من طيّب الراح، واللذات تعليـلُ

صرفاً مزاجا، وأحيانـا يعلّلُنــا *** شعرٌ كمُذهبة السمَّـان محمـولُ

 تُذْري حواشِيَهُ جيداءُ آنســةٌ *** في صوتها لسَمَاع الشَّرْب ترتيـلُ

.(المفضّليات: المفضلية رقم(26)، ص145) القرقف: التي تصيب شاربَها رعدة. السمان: الأصباغ التي تزوق بها السقوف. تذريه: ترفعه. وقول طرفة من معلقته المشهورة:

ندامايَ بيضٌ كالنجـوم وقينــــةٌ *** تروح علينا بين بُردٍ ومُجْسد

رحيبٌ قطاب الجيْب منها رفيقـــةٌ *** بجَسِّ النّدامى، بضَّةُ المتجـرَّد

إذا نحن قلنا أَسمعينا انبرتْ لنــــا *** على رسلها مطروفةً لم تَشـَدّد

إذا رجّعت في صوتها خلت صوتهـا *** تجاوبَ أظآرٍ على رُبَــعٍ رَدِيْ.

(شرح المعلقات العشر، للدكتورين ياسين الأيوبي وصلاح الدين الهواري، ص100-102) المُجسد: الثوب الذي يلي الجسد. المتجرَّد: الجسد العاري من الثياب. مطروفة: فاترة الطرف. رُبَعٍ رَدِي: الهالك من ولد الإبل. وقول مزرّد بن ضرار الذبياني، من قصيدته التي مطلعها: صحا القلب عن سلمى وملَّ العواذلُ *** وما كاد لَأْيًا حبُّ سلمى يزايــــلُ. فقد علموا في سالف الدّهر أننــي *** معنٌّ إذا جدَّ الجِراءُ ونابــــــلُ زعيمٌ لمن قاذفته بأوابـــــدٍ *** يغنّي بها الساري وتُحدى الرّواحــلُ. (المفضليات: المفضلية رقم(17)، ص100) المِعَنُّ: المعترض. الجِراءُ: الجري. النابِل: الحاذقُ. الأوابد: أراد بها ما يهجوهم به من الشعر. كما ورد في أشعارهم ما يفيد أنهم كانوا يستعينون، في الغناء ببعض الآلات الموسيقية، كالصَّنْج في قول الأعشى(ميمون بن قيس): ومستجيب لصوت الصنج يسمعه *** إذا تُرجّع فيه القينةُ الفُضُـــلُ (الشعر والشعراء، لابن قتيبة، ص154) والصنج هو نوع من الآلات الوترية تشبه العود، يعزف عليها. وقيل هو الدّف ونحوه، وهو معرّب. والمِزْهَر في قول علقمة بن عبدة الفحل، من قصيدته التي مطلعها: هل ما علمت وما استودعت مكتــومُ *** أم حبلها إذ نأتك اليوم مصــــــروم قد أشهد الشَّرْب فيهم مِزهر رنِـــمٌ *** والقوم تصرعهم صهباءُ خُرطُـــــوم (المفضليات: المفضلية رقم(20)، ص402) المزهر: آلة العود. الرّنم: المترنّم. الخُرطوم: أول ما ينزل من عصير العنب خمرا صافية. وهكذا نرى أن كلمات مثل، الترنّم، والترنيم، والترتيل، والترجيع، والتغني، والدندنة، وكذلك الصنج، والمزهر، والقينة، وأشباهها من المفردات الغنائية الاصطلاحية، وأسماء الآلات الموسيقية، لم تكن غريبة عن صناعة الشعر العربي منذ أقدم العصور. بل يمكن القول إن هذه المفردات كانت من صميم عمل الشعر، لما بينها وبين أوزان الشعر من صلات قرابة قوية، هي قرابة تركيب الأصوات وتلحينها وأدائها في صورة جميلة ومطربة. ولعل أبا نصر الفارابي لم يكن مبالغا حين قرر أن "الصناعة الشعرية هي رئيسة الهيئة الموسيقية، وأن غاية هذه أن تطلب لغاية تلك." (كتاب الوسيقى الكبير: 3/1093) كانت هذه أمثلة من الأخبار والأشعار، وجملة من النصوص استأنست بها هذه المقالة للتدليل على أن الشعر والموسيقى، في صورة من صور أدائها المتعددة، البدائية أو المتطورة، كانا دائما متلازمين ومتصاحبين لا يفترقان، تجمعهما صناعة الأوزان والألحان والإيقاع، وأن هذا التلازم والتصاحب يرجع، في تاريخه، إلى أقدم العصور. يمكن مراجعة هذا الموضوع (علاقة الشعر بالموسيقى) بشيء من التوسع في الفصل الثاني حول "الموسيقى والصنعة"، من الكتاب الأول في كتاب "الفن ومذاهبه في الشعر العربي"، للدكتور شوقي ضيف، ص41-90. وحول "الشعر والغناء"، في كتاب "تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري"، للدكتور نجيب محمد البهبيتي، ص89 وما بعده. وحول "الموسيقى في الحجاز وأثرها في الشعر"، في المرجع نفسه، ص129-147.

 


نوشته شده در تاريخ شنبه 1391/01/26 توسط شاهسونی (دکترای زبان و ادبیات عربی)

المسرح العربي بين الاستنبات والتأصيل

الدکتور جمیل الحمداوی

 يستند المسرح إلى الفعل الدرامي والصراع والحوار ووجود الممثل والمتفرج بالإضافة إلى فنون الغناء والإنشاد والرقص. ولكن في الثقافة الغربية، أضيف إليه المخرج والبناية والخشبة أو ما يسمى بالعلبة الإيطالية والديكور والسينوغرافيا والفنون البصرية والإيقاعية الأخرى. وأصبح المسرح اليوم أب الفنون ومسرحا شاملا يضم كل اللغات والخطابات التواصلية. هذا وقد ظهر المسرح في اليونان مع سوفوكلوس الذي كتب أول تراجيدية عالمية هي: الضارعات ، ويوربيديس وأسخيلوس وأريستوفان. وكان المسرح مرتبطا بإله الخمر ديونيسوس والابتهالات والقرابين الدينية. ويرى الفيلسوف الألماني نيتشه أن ولادة المسرح اليوناني ارتكزت على المزج بين الغريزة والعقل من خلال إله ديونيسوس رمز اللذة والخمر وإله أبولون إله العقل والحضارة. ويعد أرسطو أول منظر لفن المسرح ولاسيما في كتابه" فن الشعر" الذي حدد فيه عناصر التراجيديا الإغريقية وحصرها في ستة مقومات وهي: الخرافة، والأخلاق، والمقولة، والفكر، والمنظر المسرحي، والنشيد. وتشكل كل من الخرافة والفكر والأخلاق موضوع التراجيديا، بينما منظر المسرحي يبرز الطريقة الفنية، أما الوسائل الدرامية فهي: اللغة والنشيد. ويذهب الدكتور محمد الكغاط إلى أن المسرح الإنساني مر بثلاث مراحل أساسية: 1- مرحلة التمثيل الفردي عن طريق اللعب والرقص والغناء والإنشاد، إذ ولد المسرح مع الإنسان كغريزة فطرية وشعور داخلي وانجذاب سحري إلى اللعب والتمثيل، وهذا ما تؤكده الدراسات الأنتروبولوجية والإثنولوجية والاجتماعية؛ 2- مرحلة الظواهر الاجتماعية، ويعني هذا أن الفعل المسرحي انتقل من ظاهرة فردية إلى ظاهرة جماعية تتكون من شخصين فأكثر، كما تتشكل هذه الظاهرة الاجتماعية من الممثلين واللاعبين لأداء مجموعة من الطقوس الدينية والفنية. ويسمى هذا النوع من التشكيل الدرامي الاجتماعي بالظواهر المسرحية أو الأشكال ماقبل المسرحية أو الطقوس الاحتفالية؛ 3- مرحلة المسرح التي ظهرت مع المسرح الإغريقي والبناية المفتوحة في أثينا ووجود النصوص الدرامية سواء أكانت تراجيديات( سوفكلوس- أسخيلوس- يوربيديس) أو كوميديات (أريستوفان). وتطور المسرح الغربي بعد عصر النهضة، وانتقل إلى إيطاليا وفرنسا وإنجلترا وأصبحنا نتحدث عن أعلام كبار في مجال المسرح كشكسبير في انجلترا وموليير وراسين وكورناي في فرنسا وكولدوني في إيطاليا ولوبي دي فيكا في إسبانيا. وقد ظهرت كذلك مجموعة من المدارس المسرحية الغربية كالمدرسة الكلاسيكية والمدرسة الرومانسية والمدرسة الواقعية، والرمزية، والبرناسية ، والدادائية، والسريالية، والوجودية، ومسرح اللامعقول، ومسرح القسوة، ومسرح الشارع، ومسرح العمال، والمسرح النفسي مع مورينو.....إلخ. هذا، وقد أفرز تطور المسرح الغربي وتشكل مدارسه ظهور فن الإخراج المسرحي في أواخر القرن التاسع عشر، فأصبحنا نتحدث عن مخرجين كبار

 من أمثال:الدوق ساكس مينينجنSaxe Meiningen وبريختBrechtوستانسلافسكيStanislavskiوجروتوفسكيGrotowski و كولدون كريـﮔG.Craig وماكس رينهاردتM.Reinhardt وأندريه أنطوانA.Antoine وجان فيلارJ.Vilar وأدولف أبياA.Appia. وإذا انتقلنا إلى المسرح العربي، فإنه يثير عدة تساؤلات وإشكاليات يمكن صياغتها على الشكل التالي: متى عرف العرب المسرح؟ هل يمكن التأريخ له بسنة 1848م مع صدمة الحداثة وفترة الاستنبات الماروني أم بالرجوع إلى التراث العربي لاستقراء ظواهره الفنية الاجتماعية للبحث عن الأشكال الدرامية والطقوس الاحتفالية واللعبية؟ وبتعبير آخر ماهي أسباب غياب المسرح العربي أو أسباب حضوره؟ وماهي المراحل التي مر بها المسرح العربي؟ وماهي تجلياته التجريبية والتأصيلية؟ يذهب كثير من الدارسين إلى أن العرب عرفوا المسرح في الشام منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وبالضبط في سنة 1848م عندما عاد مارون النقاش من أوربا( إيطاليا- فرنسا) إلى بيروت فأسس مسرحا في منزله فعرض أول نص درامي في تاريخ المسرح العربي الحديث هو" البخيل" لموليير، وبذلك كان أول من استنبت فنا غربيا جديدا في التربة العربية. ومن ثم، بدأ المسرح العربي يعتمد على عدة طرائق في استنبات المسرح الغربي كالترجمة والاقتباس والتعريب والتمصير والتأليف والتجريب وشرح نظريات المسرح الغربي ولاسيما نظريات الإخراج المسرحي وعرض المدارس المسرحية الأوربية. وكان هذا الظهور المسرحي في البلاد العربية نتيجة للاحتكاك الثقافي مع الغرب عبر حملة نابليون بونابرت إلى مصر والشام وعن طريق الاطلاع والتعلم والرحلات العلمية والسياحية والسفارية . أما في سورية ، فقد أسس أبو خليل القباني مسرحه الموسيقي والغنائي، وبدأ في تقديم فرجات تراثية وتاريخية؛ لكن رجال الدين المتزمتين وقفوا في وجه مسرحه بدعوى أنه يفسد أخلاق الشباب ويلهيهم عن الواجبات الدينية ويخل بآداب المجتمع مما اضطر السلطان عبد الحميد الثاني إلى إغلاق مسرحه وإحراقه . هذا هو الذي دفع أبا خليل القباني إلى هجرة بلده الذي طغى فيه الاستبداد التركي مع مجموعة من الممثلين والفنانين حيال مصر. وفي مصر، سيزدهر فن المسرح خاصة مع الشاميين( أبوخليل القباني وأديب إسحق وفرح أنطون وسليم النقاش ويوسف الخياط وجورج أبيض)، والمبدعين المصريين (يعقوب صنوع ومحمد عثمان جلال وعبد الله النديم ومصطفى كامل ويوسف وهبي ومحمود تيمور وأحمد شوقي وعزيز أباضة وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس ونجيب الريحاني...). وستظهر بعد ذلك فرق مسرحية وغنائية عديدة في القاهرة والإسكندرية( فرقة أحمد أبو خليل القباني،وفرقة إسكندر فرح، وفرقة سلامة حجازي ، وفرقة سليمان القرداحي، وفرقة فاطمة رشدي، وفرقة جورج أبيض، وفرقة يوسف وهبي)، وستنشأ قاعات للمسرح سواء أكانت قاعات عروض خاصة أم قاعات مسرحية أنشأتها الدولة لرعاية الفنون والآداب إبان المرحلة الملكية والثورة الناصرية على الرغم من الرسالة الانتقادية الخطيرة لهذا المسرح التي كانت تندد بالمستعمر وأصحاب السلطة والجاه. كما شيدت الدولة المصرية أول كونسرفتوار للفن الدرامي بالقاهرة في الوطن العربي علاوة على الكليات والمدارس والمعاهد المتعلقة بالفن والتنشيط المسرحي والموسيقي والسينمائي. ولقد انتقل المسرح إلى دول المغرب العربي من خلال التأثير المشرقي ولاسيما المصري منه عندما زارت مجموعة من الفرق المسرحية ليبيا وتونس والجزائر والمغرب، دون أن ننسى التأثير الثقافي والتقني الذي مارسه المستعمر الأجنبي( الفرنسي- الإسباني- الإيطالي) حينما شيد في هذه البلدان مجموعة من القاعات المسرحية التي كان يعرض فيها الريبرتوار المسرحي الغربي وخاصة مسرحيات موليير الكوميدية أو مسرحياته التي تصف الطباع والأخلاق. ففي ليبيا، بدأ المسرح سنة 1928م حينما أسس محمد عبد الهادي أول فرقة للتمثيل لما عاد من بلاد الشام. وسينتعش المسرح التونسي إثر الزيارات المتكررة للفرق المسرحية والغنائية المصرية للمدن التونسية ولاسيما فرقة سليمان القرداحي وفرقة أبي خليل القباني وفرقة سلامة حجازي وفرقة جورج أبيض. وقد ظهر المسرح بالجزائر مبكرا مع الاحتلال الفرنسي الذي أنشأ كثيرا من القاعات المسرحية لعرض أهم النصوص الدرامية الغربية التي كانت توجه غالبا إلى المعمرين الفرنسيين مما ساعد المثقفين الجزائريين للاطلاع على المسرح الغربي وتقنياته وطرائقه السينوغرافية والإبداعية. ولما بدأ المسرح الجزائري اتكأ على الموروث المحلي، فقد كتب الممثلان علالو وداهمون مسرحية عن مقالب جحا، بطل الحكايات العربية القديمة. واشتهر رشيد قسنطيني كثيرا في البلد حتى لقب بموليير الجزائر. وتعتبر سنة 1928م لحظة ولادة المسرح الوطني الجزائري عندما أخرج رشيد قسنطيني مسرحية" بوبورما" لفرقة مسرحية صغيرة. وإذا انتقلنا إلى المغرب الأقصى،فإنه لم يعرف المسرح إلا مع القرن العشرين إبان زيارة بعض الفرق المصرية للمغرب كفرقة محمد عز الدين التي عرضت مسرحية صلاح الدين الأيوبي منذ سنة 1923م، وفرقة فاطمة رشدي سنة 1932م التي ساهمت في انتعاش المسرح بمدينة تطوان. ونستحضر كذلك ما قام به قدماء ثانوية مولاي إدريس بفاس عندما أسسوا جمعية بتاريخ 15-09-1921 والذين نشطوا التمثيل المسرحي أيما تنشيط. وقد أشاد علال الفاسي بأنشطتها الدرامية ذات الطابع التراثي التاريخي في نونيته. وبعد ذلك، تم تأسيس كثير من الفرق المسرحية المحلية بطنجة وتطوان والدار البيضاء وسلا والرباط ومراكش تتأرجح أعمالها الفنية والتمثيلية بين التغريب والتأصيل التراثي. وإذا كان المسرح في العراق قد انبثق مبكرا مع قاسم محمد ويوسف العاني وآخرين، فإنه في الدول الخليجية مازال لم يعرف يقظته الحقيقية إلا في الكويت بعد تأسيس أول معهد للفنون المسرحية تحت إشراف زكي طليمات. ولكن السؤال الذي يفرض علينا نفسه بإلحاح:هل كان هناك مسرح عربي قبل هذه الفترة التي تحدثنا عنها سالفا؟ فقد كان الجواب عنه من قبل الدارسين للمسرح العربي بالإثبات تارة والنفي تارة أخرى. يرى كثير من الباحثين أن العرب لم يعرفوا المسرح بشكله الغربي وذلك لعدة عوائق: دينية وحضارية وتاريخية وعرقية ولغوية. وللتوضيح أكثر فالعرب لم يتعرفوا المسرح للأسباب التالية: 1- تخلف العقلية العربية المرتبطة بالبداوة والجزئيات والفكر البسيط والفكر المحسوس وانعدام الإبداع والتخييل المجرد ؛ 2- لاتصلح اللغة العربية الكلاسيكية بجزالتها وفخامتها للحوار الدرامي ولا تنسجم مع مستويات التواصل في الخطاب المسرحي(جاك بيرك)؛ 3- لم ير العرب في المآسي اليونانية إلا نصوصا بسيطة موزونة وأشعارا حوارية غريبة.( محمد عزيزة)؛ 4- عدم فهم المصطلحات الدرامية اليونانية من قبل شراح أرسطو مما وقعوا في الترجمة الخاطئة لألفاظ" فن الشعر" من قبل المترجمين والفلاسفة العرب ( بشر بن متى بن يونس، ابن رشد...)، حيث ترجموا التراجيديا بالمديح والرثاء والكوميديا بالهجاء والدراما بالشعر( شكري عياد وعبد الرحمن بدوي...)؛ 5- بداوة الحياة قبل الإسلام وارتحال الإنسان من مكان إلى آخر وعدم استقراره منعه ذلك من معرفة المسرح الذي يتطلب الاستقرار والاستيطان والتمدن الحضاري( زكي طليمات)؛ 6- يمنع الدين الإسلامي التصوير والتشخيص والتمثيل، ويعد النص الديني الإسلامي كل من قام بذلك بالعقاب الشديد( أحمد أمين)؛ 7- انعدام الصراع في المسرح العربي على غرار المسرح اليوناني الذي كان يعرف أنماطا من الصراعات الدرامية كالصراع العمودي" البشر في صراع مع الآلهة"، والصراع الأفقي" صراع الأفراد والجماعات فيما بينها"، والصراع الديناميكي" انهزام القدر" كما في مسرحية الفرس عند أسخيلوس، والصراع الداخلي كما في مسرحية أوديب( محمد عزيزة)؛ 8- صعوبة تنظيم العروض المسرحية في مجتمع يحارب فيه رجال الأخلاق والمحافظين تمثيل الأدوار النسوية ويعود أكثر من ذلك إلى المعنى الأليم للقدر الإنساني( لويس غارديه)؛ 9- يمنع الإسلام وقوع أي صراع درامي( فون جرونبوم)؛ 10- إن الحضارة العربية لم تكن في حاجة إلى التعبير المسرحي(أحمد شمس الدين حجازي)؛ 11- إن العرب لم يترجموا أدب اليونان وشعرهم، في الوقت الذي نقلت فلسفتهم، لإحساسهم بأن إبداعهم في الشعر والأدب يفوق كل إبداع؛ 12- انعدام الحرية والديمقراطية في الدولة العربية القديمة القائمة على الاستبداد والقهر وإسكات الأصوات المنتقدة لسياسة الدولة ، وهذا لاينسجم مع الإبداع المسرحي القائم على النقد والتوجيه؛ 13- انعدام الفكر الموضوعي وذلك بافتقاد الشاعر العربي لعنصر الإدراك المأساوي للحياة. فالشاعر وإن عبر عن عواطفه وأحاسيسه، فإنه لم يتطور من الموقف الفردي الذاتي إلى الموقف الجماعي العام الذي ينشأ عنه المسرح ( عز الدين إسماعيل)؛ 14- غياب الفكر الأسطوري لدى العرب هو الذي يمنع من إبداع مسرحيات تراجيدية على غرار المسرح اليوناني. وعلى عكس هذه الأطروحات، نجد بعض الدارسين يثبتون أن العرب قدعرفوا المسرح منذ مدة طويلة كما فعلت تمارا ألكسندروفنا بوتينتسافا عندما أرجعت المسرح العربي إلى جذور قديمة تمتد إلى ألف عام وعام" أفليس من الأسهل أن نبدأ من البرهان على أنه كان موجودا. موجودا منذ زمن بعيد جدا. منذ ألف سنة" . ويستثني الباحث التونسي محمد عزيزة من أطروحة نفي المسرح عند العرب التعازي الشيعية، إذ قال:" الاستثناء الوحيد لقاعدة الغياب المسرحي هذا هو التعازي الشيعية التي أعطت الإسلام اعتبارا من القرن السابع الشكل الدرامي الوحيد الذي يعرفه". وكانت التعازي الشيعية تتكون من ثلاث فصول أساسية ، وهي: 1- المشاهد التي تسبق معركة كربلاء. 2- مأساة كربلاء وآلام السيد الحسين. 3- عقب كربلاء. ويذهب عبد الكريم برشيد إلى أن" المسرح العربي قد ولد يوم ولد المجتمع العربي... هذا الوليد لايشبه إلا ذاته، لأنه في تركيبه مخالف للمسرح اليوناني الغربي، وهذا شيء طبيعي، مادام أنه مرتبط بشروط جغرافية وتاريخية واجتماعية وذهنية ونفسية مختلفة...". وينحو هذا المنحى الدكتور عمر محمد الطالب في كتابه" ملامح المسرحية العربية الإسلامية" حينما قال:" إن المسرح فن أدبي وبصري يستمد أصوله من مقومات الأمة وثقافتها وأصولها ولا يشترط فيه أن يكون منسوخا عن المسرح اليوناني القديم أو المسرح الأوربي الحديث، إنما يجب أن تكون له مقوماته الخاصة المستمدة من ثقافة الأمة وحضارتها ومعتقداتها مادام الأصل في المسرح وجود المشاهدين بالدرجة الأولى، أما المكان فلا فرق أن يقدم العرض في مجلس أو خيمة أو ساحة أو فضاء، في شارع أو مقهى أو في قاعة يطلق عليها اسم مسرح." ويضيف الباحث:" أن هذه المحاولة لتأصيل الملامح العربية الإسلامية لفن التشخيص والتمثيل عند العرب والمسلمين ماهي إلا محاولة بسيطة تضاف إلى محاولات يوسف إدريس في مقالاته التي نشرها في الستينيات عن مسرح السامر وكتاب( العرب والمسرح) وكتاب( الإسلام والمسرح) وكتاب( فن التمثيل عند العرب) ومقال يوسف نجم ( صور من التمثيل في الحضارة العربية من الكرج حتى المقامات) المنشور في مجلة آفاق عربية العدد الثالث لعام 1977." ومن أهم الظواهر التي استخلصها الدارسون العرب والدالة على وجود المسرح نذكر ظاهرة التعازي الشيعية والطقوس الصوفية والأعياد الدينية وأدب المقامات وخيال الظل والكراكيز ومسرح العرائس والمسرح الشعري في المعلقات وغزل عمر بن أبي ربيعة...والقصص الدرامية والمسرح الشعبي وسلطان الطلبة وسيدي الكتفي وفن البساط ومقالب جحا والنقائض( جرير والفرزدق والأخطل)، ناهيك عن الطقوس الدينية والطرقية والرقص وفن اللعب والغناء الدرامي.... هذا، وقد عرف المسرح العربي الحديث والمعاصر نوعين من التعامل مع المسرح: 1- استنبات المسرح الغربي في التربة العربية من خلال التقليد و الاقتباس والترجمة والتبيئة العربية: تمصيرا وتونسة ومغربة وسودنة... كما فعل مارون النقاش مع أول نص مسرحي وهو البخيل الذي استلهمه من موليير، وسيتابع كثير من المبدعين والمخرجين طريقته في الاقتباس والمحاكاة. 2- تأصيل المسرح العربي وذلك بالجمع بين الأصالة والمعاصرة، أي التوفيق بين قوالب المسرح الغربي والمضمون التراثي. ومن المعلوم أن التأصيل الذي من مقوماته الأساسية الاشتغال على التراث وتوظيفه إما باعتباره مادة تراثية تاريخية أو صوفية أو أدبية أو دينية....وإما باعتباره موقفا إيديولوجيا وإما باعتباره قالبا فنيا لاحتواء المضمون أو الحبكة الدرامية عبر تمظهراتها الصراعية والجدلية. ومن ثم، يمكن الحديث عن التأصيل في المسرح العربي من خلال أربع محطات أساسية: 1- تأصيل المسرح العربي اعتمادا على المضمون التراثي. 2- تأصيل المسرح العربي ارتكازا على الشكل أو القالب التراثي. 3- التأصيل التنظري( بيانات وتصورات وورقات نظرية حول أصالة المسرح العربي). 4- التأصيل التطبيقي( نصوص وعروض مسرحية تأصيلية مضمونا وقالبا). لقد ظهرت فكرة التأصيل في الساحة الفكرية بعد هزيمة العرب في حرب حزيران 1967م بعد مجموعة من الكتابات التي تدعو إلى النقد الذاتي وإعادة النظر في الهوية العربية وتحديث الفكر العربي من خلال التوفيق بين الأصالة ( احتواء التراث وغربلته والأخذ مما هو مفيد) والحداثة الغربية( استرفاد ما ينفع العرب لنهوضهم والسير بهم نحو الأمام)، ومن هذه الكتابات الداعية إلى تنقيح التراث والتفاعل معه حوارا وتناصا ونقدا وبناء ما كتبه عبد الله العروي والطيب التزيني وحسين مروة وعبد الكبير الخطيبي وحسن حنفي وأنور عبد المالك ومحمد عمارة وعابد الجابري وزكي نجيب محمود وغالي شكري وأدونيس ويوسف الخال.... وعلى الرغم من هذا، فإن فكرة التأصيل ظهرت منذ القرن التاسع عشر موازية مع النصوص التغريبية ذات الوظيفة الاستنباتية وذلك لوجود الاستعمار الأجنبي الذي استهدف تغريب المجتمع العربي، والاستبداد التركي الذي استهدف تتريك المجتمع العربي وتجهيله، والدليل على ذلك النصوص التراثية التي كتبها مارون النقاش نفسه كمسرحية "الحسن المغفل" ومسرحية أبي خليل القباني " هارون الرشيد مع غانم بن أيوب وقوت القلوب". ويقول أستاذي الدكتور مصطفى رمضاني:" ولقد فطن رواد المسرح العربي منذ البداية إلى غربة الشكل المسرحي الغربي، كما فطنوا إلى أن المستعمر يسعى إلى فرض ثقافته لطمس كل ثقافة وطنية، لذلك لجأوا إلى البحث عن هويتهم وتميزهم، فكان التراث هو المصدر الشامل الذي وجدوا فيه ضالتهم، لأنه يمثل مقومات الأمة واستمرارية تميزها." إذا، ما هو التراث؟ وماهو التأصيل؟ إن التراث – حسب الدكتور عابد الجابري- هو" الموروث الثقافي والفكري والديني والأدبي والفني" . أما طرق التعامل مع التراث فتتخذ عدة صور منهجية: أ‌- صورة تقليدية ترتكز على التعامل التراثي مع التراث مثل علماء المتخرجين من المعاهد الأصيلة كجامع القرويين بالمغرب والأزهر بمصر والزيتونة بتونس. ويتسم هذا التعامل بغياب الروح النقدية وفقدان النظرة التاريخية. ب‌- صورة استشراقية كما يظهر لدى الدارسين الغربيين أو الدارسين العرب التابعين لهم، فتمتاز هذه الصورة بالاعتماد على إطار المركزية الأوربية انطلاقا من مناهج فيلولوجية أو تاريخية أو ذاتية، كما تعكس دراسات الباحثين العرب التي تزكي رؤى المستشرقين التبعية الثقافية والفكرية للغرب. وهذه الصورة تعتمد على الفهم الخارجي لمفهوم التراث. ت‌- صورة ماركسية تعتمد على المادية التاريخية في تعاملها مع التراث، وهي صورة إيديولوجية لمفهوم التراث، ويمثل هذه النظرة: حسين مروة والطيب التزيني.... ث‌- صورة بنيوية تكوينية في قراءة التراث وهي تستند إلى ثلاث خطوات منهجية أساسية، وهي: الطرح البنيوي الداخلي، والطرح التاريخي، و الطرح الإيديولوجي، ويمثل هذه القراءة الدكتور محمد عابد الجابري. ولكن ثمة قراءات أخرى للتراث كالقراءة السيميائية( عبد الفتاح كليطو) والقراءة التفكيكية( عبد الله الغذامي)... وكل قراءة تحمل في طياتها أبعادا إيديولوجية وتصل إلى حقائق نسيبية. وما يقال عن قراءة التراث الفكري بصفة عامة، يمكن قوله عن الإبداع المسرحي. فهناك تعامل درامي تراثي حرفي مع الموروث، وهناك تعامل درامي إيديولوجي مع التراث، وهناك تعامل درامي تناصي قائم على النقد والتفاعل والحوار. وبتعبير آخر هناك ثلاث قراءات مع التعامل الدرامي مع التراث: 1- قراءة اجترارية قائمة على المحاكاة والتقليد. 2- قراءة استلهامية تقوم على الاستفادة والتوظيف الفني. 3- قراءة حوارية قائمة على النقد والتناص والتفاعل البناء. إذا كان التراث كل ما خلفه أجدادنا في الماضي من إنتاجات زاخرة في مجالات الأدب والدين والفن والتاريخ والفكر والعمارة ، فإن التأصيل هو احتواء التراث والتشبث بالهوية في مواجهة التغريب والحداثة الغربية التي تأتي على ابتلاع كل مقومات الإنسان العربي ولاسيما قيمه وأصالته والتشكيك في موروثه الثري باسم المركزية الأوربية والتقدم المادي. ويعني التأصيل الجمع بين الجانبين المادي والروحي من خلال صهرهما في بوتقة واحدة متوازنة. وقد يعني التأصيل مد الماضي في الحاضر والحاضر في الماضي. كما قد يدل التأصيل على التجاوز والتقدم وتأسيس الحداثة من خلال المحافظة على الأصالة والقيم الروحية الموروثة الصالحة والنافعة. فالأصالة: " هي الرؤية المعاصرة للتراث، لأننا حين نتعامل مع التراث، لانتعامل معه كمادة خام تنتمي إلى الماضي الذي انتهت وظيفته، وإنما نتعامل معه كمواقف وكحركة مستمرة، تساهم في تطوير البنيات التراثية التي فرضت وجودها انطلاقا من جدلية التأثر والتأثير. وكل تراث لا يؤكد استمراريته في حركة التاريخ لايعتبر أصلا..." والتأصيل في المسرح ضد التجريب والتغريب؛ لأن التجريب هو الاستفادة من طرائق التشخيص الدرامي الغربي والانفتاح على مدارسه وتقنياته وتياراته السينوغرافية. فلقد استفاد توفيق الحكيم كثيرا من المسرح الغربي ولاسيما من المدرسة الرمزية كما نجدها لدى إبسن وبرنارد شو وموريس مترلنك، وتتجسد هذه الرمزية عند الحكيم في بيجماليون وشهرزاد وأهل الكهف ويا طالع الشجرة. كما كتب الحكيم مجموعة من المسرحيات على ضوء المدرسة الواقعية والفلسفة الاشتراكية كمسرحية الصفقة والأيدي الناعمة. كما استوحى كثير من رواد المسرح العربي كمارون النقاش وأبي خليل القباني وآخرين طرائق المسرح الكلاسيكي والمسرح الرومانسي أثناء اقتباس مسرحيات كورناي وراسين وموليير ومسرحيات فيكتور هيجو ولاسيما هرناني. وعلينا ألا نغض الطرف عن توظيف المسرح العمالي ومسرح اللامعقول من قبل الكثير من رواد الخشبة المسرحية وخاصة الطيب الصديقي في المغرب الذي عرض في بداية مسيرته الفنية والدرامية نصوصا وأعمالا في إطار قوالب غربية كتجريب مسرح العبث في" مومو بوخرصة" متأثرا بيونيسكو الذي كتب " أمديه أو كيف نتخلص منه"، كما استعار كثير من المخرجين العرب تقنيات المسرح الملحمي البريختي وأفكار جروتوفسكي حول المسرح الفقير و تعليمات ستانسلافسكي في تدريب الممثل وتأطيره وتوجيهه. وإذا انتقلنا إلى عملية التأصيل، فلابد من احترام المحطات التي ذكرناها سالفا على النحو التالي: 1- تأصيل المسرح العربي اعتمادا على المضمون التراثي: لقد وظفت كثير من المسرحيات العربية التراث ولكن في قالب غربي(كلاسيكي، رمزي، واقعي، عبثي، رومانسي، سوريالي...) من أجل الحفاظ على الهوية العربية وأصالتها من خلال استقراء الموروث الأدبي والتاريخي والديني والصوفي والشعبي والخرافي ، بله الموروث الفرعوني واليوناني كما نجد عند مارون النقاش الذي يستوحي تراث ألف ليلة وليلة في مسرحيته" أبو الحسن المغفل أو هارون الرشيد" أو عند أبي خليل القباني في" هارون الرشيد مع غانم بن أيوب وقوت القلوب"، أو عند الشيخ حسن القسطي الذي يستلهم تاريخ فارس في مسرحية" دهاء العقل"، أو لدى بطرس البستاني في" داود الملك" ،وهي مسرحية ذات الموروث الديني . أما ناصيف اليازجي فقد كتب تراجيدية شعرية عربية تحت عنوان" رواية المروءة والوفاء، أو الفرج بعد الضيق" ، وكتب كذلك مسرحية أدبية وهي" قيس وليلى " سنة 1878م. وعند أحمد شوقي نجد مجموعة من المسرحيات التراثية كعنترة وكليوباترة وعلي بك الكبير وقيس وليلى وقمبيز...وكتب مصطفى كامل" فتح الأندلس" وكتب عزيز أباظة مجموعة من المسرحيات التراثية وهي على التوالي: قيس ولبنى، والعباسة، والناصر، وشجرة الدر، وغروب الأندلس، وشهريار. وألف توفيق الحكيم مسرحيات من الموروث الديني كأهل الكهف ومن الموروث الشعبي" شهرزاد" ومن الموروث اليوناني" بيجماليون" ومن الموروث الفرعوني" إيزيس". ومن الموروث الأسطوري، نذكر مسرحية محمد الكغاط" أساطير معاصرة"... ونكتفي بهذه الأمثلة لأن أغلب الريبرتوار العربي في الإبداع والتأليف المسرحي يعتمد على تشغيل التراث وتوظيفه كمادة تراثية أو كموقف إيديولوجي من بداية النهضة العربية إلى يومنا هذا كأن التراث جزء لا ينفصل عنا أي يضمنا ونضمه. 3- تأصيل المسرح العربي اعتمادا على الشكل أو القالب التراثي: إن المضمون التراثي ليس كافيا لتأصيل المسرح العربي وتجديده، فلابد من اعتماد قالب عربي أصيل أو البحث عن شكل يرتبط بالأمة العربية أيما ارتباط كتوظيف أشكاله ماقبل المسرحية وقوالبه الاحتفالية وطقوسه الدينية واللعبية التي تحمل موروثا دراميا وتشخيصيا قابلا لمعالجته دراميا. ومن القوالب الدرامية التراثية الأصيلة التي وظفها المسرحيون العرب نجد قالب السامر الذي يتبناه توفيق الحكيم في مسرحيته : "الصفقة"، ويوسف إدريس في مسرحية " الفرافير"، وقالب الليالي عند ألفرد فرج ومسرح المقهى والسهر عند سعد الله ونوس في مسرحيته" سهرة مع أبي خليل القباني" ، وطريقة مجالس التراث أو شكل الديوان الدائري عند قاسم محمد من العراق وفن المقامات عند الطيب الصديقي في "مقامات بديع الزمان الهمذاني" والذي وظف كذلك فن البساط في مسرحيته:" أبو حيان التوحيدي"، وخيال الظل الذي وظفه عبد الكريم برشيد في مسرحيته" ابن الرومي في مدن الصفيح"، والحلقة التي استعملها أحمد الطيب العلج في" القاضي في الحلقة" و الطيب الصديقي في " ديوان عبد الرحمن المجذوب"وعبد القادر البدوي في" الحلقة فيها وفيها"، و قالب سلطان الطلبة المستعمل في مسرحية الطيب الصديقي عرضت سنة 1966م تحت عنوان" سلطان الطلبة"،ونجد المسرح الشعبي أو الأوبريت الشعبية في مسرح كاكي الجزائري ومسرح " القوال" عند عبد القادر علولة بالجزائر. وقد ساهم كل من محمد مندور وحسن المنيعي وسليمان قطاية ومحمد عزيزة وعلي عقلة عرسان ويوسف إدريس وعبد الفتاح قلعه جي و عمر محمد الطالب ومحمد يوسف نجم وعباس الجراري وحسن بحراوي ورشيد بنشنب وتمارا الكسندروفنا بوتينتسيفا...في استخلاص الظواهر الدرامية الشعبية والاحتفالية من خلال استقراء التراث العربي وإعدادها كقوالب وأشكال يمكن توظيفها دراميا وتشخيصيا. 3-التأصيل النظري: ساهم كثير من المنظرين العرب في إصدار بيانات تنظيرية للمسرح العربي قصد السير به نحو الأمام بحثا عن حداثة حقيقية لا تتعارض مع الهوية لمواجهة التغريب والعولمة والمركزية الأوربية. أصدر توفيق الحكيم في سنة 1967م تصورا تأصيليا جديدا للمسرح العربي تحت عنوان" قالبنا المسرحي" الذي يتمثل في بعث المداح والمقلداتي والحكواتي في بناء النصوص الدرامية وعرضها سينوغرافيا:" فنحن ببعثنا الحاكي والمقلد والمداح وجمعهم معا سنرى أن في استطاعتهم أن يحملوا آثار الأعلام من أسخيلوس وشكسبير وموليير إلى إبسن وتشيخوف حتى بيراندللو ودونمات...كما في استطاعتهم أن يحققوا الأمل الذي طالما تمناه الجميع في كل مكان وهو:" شعبية الثقافة العليا" أو بعبارة أخرى هدم الفاصل بين سواد الشعب وآثار الفن العالمي الكبرى...". ويعد يوسف إدريس من السباقين إلى التفكير في التأصيل المسرحي من خلال البحث عن قالب مسرحي جديد، وذلك بتوظيف السامر في مسرحية" الفرافير" سنة 1964م ، حيث أشرك المتفرجين مع الممثلين في اللعبة المسرحية في إطار دائري مشكلا بذلك حلقة سينوغرافية . وقد استلهم الكاتب في مسرحيته خيال الظل والقراقوز والأدب الشعبي . وتعد مسرحية محمد دياب" ليالي الحصاد" سنة 1967 نموذجا تطبيقيا لتوظيف السامر الريفي. وفي هذا الصدد يقول جلال العشري: " غير أنه إذا كان محمود دياب قد استجاب لذلك التيار العام الذي بدأ يطالب بأشكال جديدة للمسرح، أشكال نابعة من فنوننا الشعبية المرتجلة ومن تقاليدنا المسرحية الفلكلورية، وهي الدعوة التي استجاب لها من قبل: يوسف إدريس، عندما قدم مسرحيته المثيرة" فرافير" بدعوى التعرف على ملامحنا المسرحية الأصيلة وإيجاد شخصيتنا المستقلة في المسرح. فثمة فارق كبير بين الكاتبين: يوسف إدريس ومحمود دياب، الأول تكلم عن السامر باعتباره الشكل المسرحي البدائي الأول الذي تبلور لدى الغالبية العظمى من جماهير شعبنا في الريف والقرى... أما محمود دياب، فمستفيد استفادة واضحة مما دعا إليه يوسف إدريس، مما أنجزه بالفعل، فقد استطاع في مسرحية" ليالي الحصاد" أن يتجه إلى التعبير الطبيعي المباشر، محافظا على السامر في شكله البدائي الأول...". وفي المغرب، نجد الاحتفالية التي كان ينظر لها عبد الكريم برشيد وكانت هذه النظرية تهدف إلى إرساء فلسفة للإنسان والكون والوجود، و ترى المسرح احتفالا ولقاء جماهيريا بين الممثلين والجمهور. وبالتالي، تتمرد هذه النظرية عن الفضاءات المؤسساتية حيث ينقل العرض الاحتفالي إلى فضاءات مفتوحة شعبية كالأسواق والساحات العمومية. ويثور المسرح الاحتفالي على قواعد المسرح الأرسطي مستفيدا من تقنيات التراث العربي القديم و تقنيات المسرح العالمي. ومن أهم النصوص التطبيقية التي تمثل هذه النظرية مسرحية عبد الكريم برشيد" ابن الرومي في مدن الصفيح" التي وظف فيها خيال الظل والمسرح داخل المسرح وتركيب لوحات متنافرة متعددة الأحداث والأمكنة والأزمنة مع توظيف التراث الأدبي ومفارقاته الساخرة.. وقد اتخذت مجموعة من الفرق المسرحية العربية طابعا احتفاليا مثل: جماعة السرادق المصرية بزعامة صالح سعد التي أصدرت بيانها الأول سنة 1983م ، وجماعة المسرح الحكواتي برئاسة الفنان اللبناني روجيه عساف، ومسرح الشوك وعلى رأسه دريد لحام وعمر حجو ووظيفته انتقادية توجيهية، ومن الأعمال التي شخصها هذا المسرح السوري مسرحية سعد الله ونوس" حفلة سمر من أجل 5 حزيران"، وفرقة الفوانيس الأردنية ، وفرقة البحر الجزائرية التي أسسها قدور النعيمي التي اهتمت بالفرجة القديمة وتوظيف الحلقة والخروج إلى الفضاءات المفتوحة كالبحر، و فرقة المسرح الجديد بتونس. وسعى سعد الله ونوس إلى تأسيس مسرح التسييس من خلال مسرحيته" مغامرة رأس المملوك جابر". والمقصود بمسرح التسييس عند سعد الله ونوس أن مفهوم التسييس يتحدد" من زاويتين متكاملتين. الأولى فكرية وتعني، أننا نطرح المشكلة السياسية من خلال قوانينها العميقة وعلاقاتها المترابطة والمتشابكة داخل بنية المجتمع الاقتصادية والسياسية، وأننا نحاول في الوقت نفسه استشفاف أفق تقدمي لحل هذه المشاكل. إذا، بالتسييس أردت أن أمضي خطوة أعمق في تعريف المسرح السياسي. إنه المسرح الذي يحمل مضمونا سياسيا تقدميا. ومن نافل القول: إن الطبقات الفعلية التي تحتاج إلى التسييس هي الطبقات الشعبية لأن الطبقة الحاكمة مسيسة، سواء كانت الحاكمة بمعنى السيطرة على أدوات السلطة أو الحاكمة بمعنى السيطرة على وسائل الإنتاج الاقتصادي في البلد. إن الطبقات التي يتوجه إليها مسرح التسييس هي الطبقات الشعبية التي تتواطأ عليها القوى الحاكمة كي تظل جاهلة وغير مسيسة. الطبقات التي يؤمل أن تكون ذات يوم بطلة الثورة والتغيير. من هنا كان التسييس محاولة لإضفاء خيار تقدمي على المسرح السياسي." ويضيف الباحث :" أما الزاوية الثانية في مفهوم التسييس فهي تلك التي تهتم بالجانب الجمالي. إن مسرحا يريد أن يكون سياسيا تقدميا يتجه إلى جمهور محدد في هذا المجتمع، جمهور نحن نعلم سلفا أن وعيه مستلب، وأن ذائقته مخربة، وأن وسائله التعبيرية تزيف، وأن ثقافته الشعبية تسلب ويعاد توظيفها في أعمال سلطوية تعيد إنتاج الاستلاب والتخلف. إن هذا المسرح الذي يواجه مثل هذا الجمهور لابد له من البحث عن أشكال اتصال جديدة ومبكرة لايوفرها دائما التراث الموجود في المسرح العالمي أو العربي، حتى ولوكان هذا المسرح يحمل مضمونا سياسيا تقدميا." وسوف نكتفي بهذه الاتجاهات التنظيرية ونرجئ الأخرى إلى وقت آخر للحديث عن مسرح الارتجال عند علي الراعي ، ومسرح النقد والشهادة عند محمد مسكين، ومسرح الثالث عند المسكيني الصغير، والمسرح الإسلامي كما يطرحه عماد خليل، ومسرح المرحلة عند الحوري الحسين. 4- التأصيل التطبيقي للنظريات الدرامية العربية: وقد ساهم كثير من المخرجين في تأصيل المسرح العربي عن طريق الإخراج والتأليف والتطبيق الميداني دون حاجة إلى إصدار كتابات نظرية كما فعل الطيب الصديقي الذي وظف كثيرا من الظواهر الاحتفالية في مسرحياته العديدة ك" أبو حيان التوحيدي" و" ديوان سيدي عبد الرحمن المجذوب" و" مقامات بديع الزمان الهمذاني"... وألفرد فرج الذي سار على منوال المسرح الارتجالي أو الكوميديا دي لارطي الإيطالية كما عند بيراندللو في مسرحيته " جواز على ورقة طلاق" وممدوح عدوان" كيف تركت السيف"، و" ليل العبيد" ومحمود دياب في مسرحيته:" ليالي الحصاد" دون أن ننسى تطبيقات عز الدين المدني وعبد القادر علولة وكاكي الجزائري وقاسم محمد في" بغداد الجد والهزل" و" مجالس التراث" ويوسف العاني في " المفتاح" دون أن ننسى صلاح القصب وريمون جبارة. تلكم هي نظرة موجزة عن إشكالية التأصيل في المسرح العربي الحديث والمعاصر في مواجهة التغريب والتجريب لتقنيات المسرح الأوربي بكل تياراته ومدارسه وتصوراته الإخراجية. وقد توصلنا إلى أن التأصيل المسرحي العربي تعامل مع التراث كمادة مضمونية وقالب شكلي وتنظيرات بيانية وتطبيقات تأليفية وسينوغرافية. 


نوشته شده در تاريخ شنبه 1391/01/26 توسط شاهسونی (دکترای زبان و ادبیات عربی)

الأدب والتحليل النفسي

الدكتور حسن المودن

العلاقة بين التحليل النفسي والأدب مسألة إشكالية، ومازالت تنال الكثير من العناية(1)، وأقترح على القارئ الكريم الوقوف عند ثلاث دراسات معاصرة القاسم المشترك بينها أنها تغيّـر النظر إلى: فرويد، والتحليل النفسي، والأدب، وتعيد بناء العلاقات القائمة بين هذه الأطراف، بما يسمح بفتح آفاق جديدة أمام فهمنا للنفسي والأدبي وما بينهما من علاقات. 

الدراسة الأولى للناقد الفرنسي جان بيلمان ـ نويل، وهي تحت عنوان: التحليل النفسي والأدب، وصدرت طبعتها الأولى باللغة الفرنسية سنة 1978 ، وقد ترجمناه إلى اللغة العربية، وصدرت الترجمة العربية عن المجلس الأعلى للثقافة بمصر سنة 1997. وأهمية هذا الكتاب تكمن في كونه أعاد قراءة فرويد، وأعاد فحص العلاقة بين التحليل النفسي والأدب بطريقة تجمع بين التاريخ والنقد، بمعنى أنه استحضر تاريخ هذه العلاقة من سيغموند فرويد إلى جاك لاكان، ولم يكتف بالعرض التاريخي قدرما قام بقراءة تاريخية تقويمية، انتهى من خلالها إلى تقديم منهج جديد في النقد النفسي سماه: " الـتـحـلـيـل الـنـصي"
 

يسمح بالانتقال من الاهتمام بمؤلف العمل الإبداعي إلى تركيز النظر على العمل الأدبي نفسه.
 

ما يهمنا من هذا الكتاب في هذا المقام هو جوابه عن سؤال أساس شغل الكثير من الدارسين والباحثين: هل هناك علاقة بين التحليل النفسي والأدب؟
 

والدراسة الثانية عبارة عن مقالة مركزة جريئة صدرت سنة 1998 تحت عنوان: " فرويد شاعر اللاشعور" لصاحبتها ليديا فليم، وهي توضح أن فرويد لم يكن مجرد طبيب أو عالم، بل انه أديب أو كاتب بالمعنى المعاصر. وتندرج هذه الدراسة ضمن عدد من الدراسات المعاصرة التي تحاول تصحيح النظر إلى مؤسس التحليل النفسي، ونشير هنا على سبيل التمثيل إلى جاك دريدا الذي انصب اهتمامه على فرويد في علاقته بمشهد الكتابة، أي على كل ما له علاقة في كتابات فرويد بالكتابة، وتم إهماله في السابق.
 

وعلى أي، فقد اخترنا هذه المقالة لتجيب عن سؤال قد لا تستسيغه العقول التي بقيت سجينة صورة بنتها قراءات سابقة عن فرويد: هل يمكن اعتبار فرويد شاعرا؟
 

أما الدراسة الأخيرة فقد صدرت سنة 2004 تحت عنوان سؤال جريء انقلابي: هل يمكن تطبيق الأدب على التحليل النفسي؟ ، وهي للكاتب الفرنسي بيير بيار،. فإذا كان المألوف أن يناقش المهتمون مسألة تطبيق التحليل النفسي على الأدب، فان مؤلف هذا الكتاب يقترح بالكثير من الجرأة قلب الأدوار واعادة بناء العلاقات والسخرية من الأذهان التي تستكين إلى مسلماتها.
 

وقبل الانتقال إلى تناول كل سؤال/ دراسة على حدة، بما يضيء العلاقة بين التحليل النفسي والأدب، ويعيد التفكير في إشكالية الأدبي والنفسي، نشير إلى أن هناك من يقول إن الأدباء وأهل الأدب ليس لهم من التكوين ما يؤهلهم لاستعمال التحليل النفسي. فان كان القائل من أهل الأدب، نردّ على ملاحظته بالسؤال عما إذا كان من يقرأ النص الأدبي من منظور أسلوبي أو سيميائي أو تداولي يعرف حقيقة ما هي الرهانات الفلسفية والابيستيمولوجية التي تتحكم في المفاهيم التي يستعملها. وإذا كان القائل من أهل التحليل النفسي، فإننا نرد بالقول إن المحللين النفسانيين يتحدثون أيضا في الأدب دون أن يكونوا من أهل الاختصاص، أي من أهل الأدب. ويضاف إلى ذلك أن الأمر يتعلق هنا بمشروعية توسيع التحليل النفسي ليعم حقولا معرفية أخرى، وهذه مسألة خلافية قديمة، فتارة يعتقد أن التحليل النفسي ينحصر في كونه ممارسة لعلاج العصابيين، وتارة يعتقد أن خطاب المحلل النفساني تمكن ممارسته في مجال آخر غير المجال الطبي، ويكون هدفه ليس العلاج بل الفهم والتفسير. وقد تمّ قبول مبدأ التوسيع ومناقشته منذ بداية القرن الماضي من طرف فرويد نفسه وتلامذته، فالجمعية النفسانية الدولية المؤسسة سنة 1908 أكدت أن هدفها هو تعميق التحليل النفسي وتطويره باعتباره جوهريا سواء في تطبيقاته الطبية أو سواء في استعمالاته في العلوم الإنسانية الأخرى.
 

1 ــ هل هناك علاقة بين التحليل النفسي والأدب؟
 

يمكن اختزال مضمون كتاب جان بيلمان ـ نويل ـ التحليل النفسي والأدب(2) ـ في عناصر أساس، من أهمها:
 

ــ كشف المؤلف في مقدمة كتابه أهم ما يميز طرفي الثنائية: التحليل النفسي/ الأدب، فبيّـن أن أهمية التحليل النفسي تكمن في خلخلته بعض المسلمات، وذلك بافتراضه أن " الأنا ليست سيدة بيتها"، ومعنى هذا أن هناك أشياء تفكر بداخل الأنا وتوجه أفعالها مع أفكارها دون حتى أن تحاط علما بحدوث بعض الظواهر. أما الأدب فعن طريقه نعي إنسانيتنا التي تفكر وتتكلم، فيه يمكن للإنسان أن يسائل نفسه وقدره الكوني والتاريخي واشتغاله الذهني والاجتماعي. انه لغة أخرى لا تقول فقط وبالضبط ما يبدو أنها تقوله، وكما أن النفسي ليس كتلة موحدة، فان الأدبي ليس رسالة تحمل معنى واحدا وواضحا، فالكلمات عندما تجمع بطريقة أخرى، فهي تكتسب سلطة الإيحاء باللا متوقع والمجهول. وبهذا المعنى، فــالقصيدة تعرف أكثر مما يعرفه الشاعر.
 

إن الأدب، يقول جان بيلمان ـ نويل، يقدم وجهة نظر حول واقع الإنسان ووسطه وحول الكيفية التي يدرك بها الإنسان هذا الوسط والروابط التي يقيمها معه. والتحليل النفسي يقدم نفسه بطريقة مماثلة: انه والأدب يشتغلان بالطريقة نفسها، فهما يقرآن الإنسان في حياته اليومية وداخل قدره التاريخي، ويسعيان إلى بلوغ حقائق بالحديث عن الإنسان وهو يتحدث.
 

ــ قدم المؤلف في الفصل الأول الذي يحمل عنوانا دالا: القراءة مع فرويد، حججا كثيرة تكشف ولع مؤسس التحليل النفسي بكل أنواع الأدب، وانتهى إلى أن مؤسس التحليل النفسي قد كان قارئا كبيرا ونافذا للأدب، وقراءاته الأدبية هي التي سمحت له بالدخول إلى مدرسة العباقرة في الأدب الذين سبقوه دون علم منهم إلى طريق الاكتشافات النفسية الكبرى.
 

ويضيف المؤلف أن أهم اكتشاف في نظرية اللاشعور هو بيانها أن الفصل بين مختلف أنشطة الإنسان قد كان فصلا اصطناعيا، فالحلم واللعب والأسطورة والملحمة والرواية والقصيدة ليست موضوعات منفصلة، لأنها من إنجازات نفس اللاشعور ( اللاشعور باعتباره نظاما لا تنظيما فرديا). ولأنها كذلك فمن المشروع أن يشتغل عليها نفس المفسر.
 

ومن هذا المنطلق، فالنص الأدبي بلا علم منه ولا قصد كتابة مرموزة يمكن فك سننها، أولا من أجل مساعدة المحلل النفسي على التحكم في مناهجه والتحقق من مسلماته النظرية بمراجعة قيمتها الكونية، وهذا مكسب حقيقي للمعرفة التي يملكها الإنسان عن نفسه. وثانيا من أجل أن يساعد التحليل النفسي القراءة على تعيين بعد جديد للقطاع الجمالي، واسماع ذلك الكلام الآخر بحيث أن الأدب لا يحدثنا عن الآخرين فقط، بل وعن الآخر فينا.
 

ــ وبيّـن المؤلف في الفصل الثاني من الكتاب، وعنوانه: قراءة اللاشعور، أن فرويد قد أدرك منذ وقت مبكر أن الحلم يمثل الطريق الملكي إلى اللاشعور، ولذلك كان كتابه الأساس ـ الذي ألفه بمفرده ـ هو : تفسير الأحلام.
 

إلا أن ما يجب أن يلفت الانتباه، يقول جان بيلمان ـ نويل، هو ما يلي: أولا، أن الحلم الذي يعالجه المحلل النفساني هو محكي ينتجه الحالم عندما يسترد وعيه، أي انه، بعبارة اللسانيين، ملفوظ سردي. وثانيا، أن الحلم يقدم نفسه باعتباره نصا تنسجه التمثيلات والانفعالات، لكنه ليس رسالة من أحد ما إلى أحد آخر، ذلك لأن الحلم لا يتكلم ولا يفكر، وفرويد يشدد على أنه عمل، فالرغبة الموجودة فيه تتكلم من أجل ألا تقول شيئا، ومن هنا ينبغي أن نرى فيه قوة وشكلا، وأن يكون اهتمام المحلل منصبا على عمل الحلم الذي يقع بين الرغبة والمحكي. والنص الأدبي، كما يفهم اليوم، يتكون من هذا العمل وبه، فهو نص أصيل يقدم للقراءة خطابا بدون عنوان ولا قصد سابق ولا مستوى محدد.
 

ويخلص المؤلف إلى ضرورة استثمار كتابات فرويد عن الحلم في قراءة النص الأدبي، نظرا إلى التماثل القوي الموجود بين الاثنين. كما تبدو مهمة، في نظره، الاستفادة من كتاباته الأخرى ( وخاصة كتاب: سيكوباتولوجية الحياة اليومية، وكتاب: النكتة وعلاقتها باللاشعور)، لأن مؤسس التحليل النفسي ركز فيها على آثار اللاشعور على الخطاب، وكرس فيها اهتمامه لتحليل الظواهر التي تهم اللغة وحيلها وألاعيبها.
 

ــ وينطلق المؤلف في الفصل الثالث، وعنوانه: أن يقرأ الإنسان نفسه بنفسه، من أن الإنسان عندما يقرأ العمل الأدبي فهو يقرأ فيه نفسه، ويحدث من خلال القراءة ما سجله فرويد في كتابه : ما وراء علم النفس، أي تفاعل لاشعور القاريء مع لاشعور آخر.
 

ويستحضر جان بيلمان ـ نويل مقالة مهمة لـفرويد عنوانها: " الشاعر والخيال"، وفيها يجيب فرويد عن سؤال أساس: لماذا ينجح الكاتب حيث يفشل الحالم اليقظ الذي يحكي لنا أحلامه؟ ويجيب فرويد بأن الكاتب يقوم بتلطيف ما في الحلم من تمركز على الذات، ويغرينا بالاستفادة من لذة شكلية خالصة، ويحقق لنفسيتنا متعة تجد معها الخلاص من بعض التوترات.
 

ــ وفي الفصل الرابع، وعنوانه: قراءة الإنسان، سجل المؤلف أن فرويد قد شقّ الطريق في مجال التحليل النفسي للأدب في اتجاه كل أنماط المقاربة: من قراءة الإنسان إلى قراءة العمل الأدبي أو الفني في حد ذاته إلى قراءة كاتب ما أو فنان ما. وهو في قراءته الإنسان انصب اهتمامه على تحليل الركائز الأساس التي ما ينفك الكتّـاب والنصوص يستخدمونها ويستثمرونها بطريقة جديدة في كل مرة، وهي ليست وقفا على عصر أو لغة أو فرد ولا أصل لها لأنها تنتمي إلى الرأسمال الرمزي للإنسانية، أي أنها تقاليد غارقة في ليل الأزمنة، في ليل اللاشعور: الأساطير، الخرافات، المحكيات النموذجية، الأجناس والأشكال والأنماط والحوافز الأدبية.
 

ــ ووضح المؤلف في الفصل الخامس، وعنوانه: قراءة الكاتب الإنسان، أن الخمسين سنة التي تلت نشر الأعمال الكبرى لفرويد لم يكن فيها إلا محللون نفسانيون ركزوا على دراسة الأدب، وقد قاموا بذلك وهم يصبون اهتمامهم على الكتّـاب والشعراء، وتوقف المؤلف عند أهم هؤلاء المحللين: رونيه لافورج، ماري بونابارت، دولاي، لابلانش، موري، فرنانديز...).
 

ــ وفي الفصل السادس والأخير، وهو بعنوان: قراءة النص، انتهى المؤلف إلى أن قراءة النص تعني أن نقرأه بعيدا عن مؤلفه. وهناك بهذا الخصوص سابقة عند فرويد في كتابه: الهذيان والأحلام في غراديفا ينسن، كما يمكن أن نستحضر قراءة جاك لاكان لنص ادغار الان بو: الرسالة المسروقة. ونشير في هذا الإطار إلى رسالتنا الجامعية التي صدرت في كتاب سنة 2002 تحت عنوان: لاوعي النص في روايات الطيب صالح(3)، وفيها حاولنا قراءة روايات الطيب صالح من منظور نفساني يقرأ النص بعيدا عن مؤلفه.
 

وإجمالا، هناك علاقة حميمية بين التحليل النفسي والأدب، وكما بيّـن جان بيلمان ـ نويل هي علاقة أرادها فرويد نفسه الذي كان يتغدى من قراءاته الأدبية، وقد بينت دراسات أخرى أن مؤسس التحليل النفسي كان يتغدى من قراءاته الأدبية ويحلم في الوقت نفسه بالشيء الأدبي، وهذا ما يقصده كلود ميار عندما قال: يوجد الفن داخل التحليل النفسي، انه أحد أبعاده وأحد تصوراته ، ويقول جان بيلمان ـ نويل : إن التحليل النفسي ليس علما فقط، بل انه أفضل من العلم، لأنه فنّ تفكيك حقيقة ما في كل القطاعات الملغزة في التجربة الإنسانية، كما يعيشها الإنسان، أي كما يحكيها لنفسه أو للآخرين.
 

2 ــ هل يمكن اعتبار فرويد شاعرا؟
 

أقترح على القاريء الكريم مقالة تدعو إلى تغيير نظرتنا إلى فرويد: فرويد شاعر اللاشعور(4).
 

ويمكن اختزال مضمون هذه المقالة المثيرة في العناصر الآتية:
 

ــ تفتتح المقالة بالتنبيه إلى خطورة الفصل بين المعرفة التي يؤسسها فرويد عن اللاشعور والطريقة التي يكتب بها هذه المعرفة، ففي مؤلفاته ليس هناك فصل بين الأكاديمي والأدبي، بل هناك زواج بينهما، ومؤسس التحليل النفسي يعلمنا كيف يمكن للاستيتيقا أن تكون منهجا، لأنه يزاوج بين العلم والفن، بين النظرية والأوتوبيوغرافية، بطريقة إبداعية يمتزج فيها هي الأخرى الاندفاع والتعقل، التحقيق والتخييل، فالطريق التي تقود المحلل النفساني إلى اللاشعور تمرّ عبر لعبة من الكلمات والترابطات التي تنسج السرد، وتتنقل بشكل مدهش من مجال إلى آخر، من المرئي إلى المجرد، من اليومي إلى النظري، من العلم إلى الشعر.
 

لقد وصف فرويد في رسالة إلى
Sandor Ferenczi عملياته الإبداعية بأنها سلسلة متوالية من ألاعيب جريئة صادرة عن المخيلة، ومن نقد قاس باسم الواقع. وفي الواقع، ففرويد يقاسم الأطفال والكتّـاب وكل المبدعين هذه القدرة الإبداعية على استقبال ما يعتبر بعيد الاحتمال، وعدم إهمال ما يبدو غير منسجم أو شاذا أو غير دالّ أو مخجلا. وهو في نهاية حياته، نجده يقارن بين التحليل النفسي والعلوم الدقيقة فيقول: أحسد دائما علماء الفيزياء والرياضيات الذين يمكنهم أن يستندوا إلى أسس صلبة، بالنسبة إلي، لا أستند إلى أي شيء ... إن الوقائع النفسية تبدو مستحيلة القياس، وربما ستبقى كذلك دائما. 

ومنذ كتابه الأول: دراسات حول الهيستيريا(1895)، يعترف فرويد بأن قصص المرضى لا الأمراض تتم قراءتها كروايات، ويضيف أن لا قيمة للعلاج والصدمات الكهربائية في دراسة الهيستيريا، في وقت يسمح فيه الشعراء بطريقة تقديمهم للسيرورات النفسية باكتساب ذكاء يساعد على فهم هذه الظاهرة.
 

ــ أعاد فرويد للمعرفة سحرها وفتنتها، وهذا ما سجله ميشيل دوسيرطو في كتابه(5).
 

نجد التحليل النفسي يستخرج صوره ووجوهه من البلاغة( الاستعارة، الكناية، التحويل، التكثيف ...)، ونجد فرويد يهتم دائما بالاعتراف بردة فعله الانفعالية تجاه الشخص أو الوثيقة موضوع التحليل. فعلى عكس العلوم الدقيقة، يعتبر التحليل النفسي أمرا ضروريا أن يعترف الخطاب بذاتيته. وفي كتابه الأساس: تفسير الأحلام(1900) يقول فرويد انه من أجل إبلاغ أحلامه إلى القاريء، عليه أن يعرض أمام عينيه الكثير عن حياته، وهو أمر يبدو غير ملائم عندما يتعلق الأمر برجل علم لا بشاعر.
 

ــ اعترف فرويد في رسالة إلى
Arthur Schnitzler أنه يتحاشى مرافقته ومحادثته، لأنه يتجنب اللقاء بقرينه وشبيهه، فهو يجد في انتاجات هذا المبدع، وخلف مظهرها الشعري، الفرضيات والنتائج التي تخص المحلل النفساني. 

وبالمقابل، عبّر الكثير من الكتّـاب والمبدعين لـفرويد، في السنوات الأخيرة من حياته، عن إعجابهم بأعماله النظرية باعتبارها تنتمي إلى الأدب مثل أعمالهم( توماس مان، ألبير كوهن، فيرجيينا وولف رومان رولان ...). ولا يخلو من دلالة أن ألبير انشتاين القادم من مجال آخر قد قال لـفرويد في رسالة تعود إلى 4 ماي 1939 انه معجب بكتاباته من الزاوية الأدبية، فهو لا يعرف معاصرا آخر قدم موضوعه باللغة الألمانية بمثل كفاءة فرويد.
 

ــ قدم فرويد مشروعا في الكتابة، أي عمل كاتب، وهو يحيى في الفضاء الحميمي للكلمات، في سحرها وأصواتها وصورها. فهو أولا لا يقدم عملا كاملا وتاما، بل نجده يسمي دراساته: محاولة أو ملاحظات أو مساهمة أو مدخلا ...كأنه يفتح ورشا ليبقى دوما مفتوحا. وهو ثانيا يحاول أن يكتب شيئا لامرئيا ـ اللاشعورـ، ويعلم أن تنزيل ذلك لغويا هو المشكلة العظمى، ومن هنا اهتمامه بالأدب، لأن الروائع الأدبية نجحت في كتابة هذا اللامرئي . وهو ثالثا يحاول أن يفهم كيف ينكتب اللاشعور في مجموعة من الظواهر والخطابات من أهمها الحلم، فتحدث عن النص الظاهر والنص الباطن، وركز انتباهه على آليات التكثيف والتحويل والتمظهر التي تتحكم في الحلم، فكان بذلك يخوض في مسألة أساس جعلته، في نظر جاك دريدا متقدما على عصره: انها مسألة استعارية الكتابة، فقد كان فرويد في نصوصه يسائل بنية المشهد النصي للحلم، مركزا نظره على الجسد التعبيري لا باعتباره مجرد ظاهر حامل لباطن ثابت، بل باعتباره جسدا استعاريا متعدد المعنى يستحيل سجنه في مدلول واحد ووحيد.
 

وإجمالا، يبدو أن فرويد قد خضع أواخر القرن الماضي لقراءات جديدة( جاك لاكان، جاك دريدا، جان بيلمان ـ نويل ...)، وهذا ما يسمح بالقول إن نصوصه مفتوحة ومنفتحة تحتمل قراءات متعددة، وهي بذلك أكثر قربا من النصوص الشعرية والأدبية. وكما قالت ليديا فليم : إن كتابة فرويد الاستعارية تجري بشكل لانهائي وراء اللاشعور من أجل إعادة كتابة تمظهراته وتحولاته التي تبدو لانهائية، وهي تجري وراء ذلك دون أن تتمكن بشكل تام ونهائي من بلوغ مرادها. انه بين العلم والفن يرسم فرويد طريقا آخر يجمع بين العلم والتخييل، وهي طريق سماها فرويد نفسه: التخييل النظري.
 

ولمزيد من التوضيح، هل نستحضر أهم محلل نفسي بعد فرويد: جاك لاكان؟ ألا يمكن اعتبار هذا المحلل النفسي أحد أهم من استوعب الدرس الفرويدي، ليس لأنه أقام جسورا بين التحليل النفسي واللسانيات والنظريات الشعرية المعاصرة ، ولا لأنه يعتبر الشبكة اللاشعورية مفتوحة بامتياز على كل المعاني، ولا لأنه يعتبر الأهم في نص اللاشعور هو قوة داله وغياب مدلوله، ولا لأن كتابه افتتح بقراءة عمل أدبي: قصة " الرسالة المسروقة" لادغار الان بو، بل لأن هذا الكتاب الأساس في التحليل النفسي يحمل عنوانا شديد الدلالة: كتابات
Ecrits. 

3ـ هل يمكن الانتقال من تطبيق التحليل النفسي على
 

الأدب إلى تطبيق الأدب على التحليل النفسي؟
 

3 ـ 1 ــ أقترح على القاريء الكريم كتاب بيير بيار:هل يمكن تطبيق الأدب على التحليل النفسي؟(6) ، والملاحظ أن عنوانه هجومي قوي، ذلك لأن العادة جرت أن يسأل الناس أن كان ممكنا تطبيق التحليل النفسي على الأدب، لا العكس.

والواقع أن ما يجعل هذا الكتاب قويا أن صاحبه الذي أصدر ثمانية كتب في الخمس عشرة سنة الأخيرة يأتي في كل كتاب بشيء مثير وغير منتظر، وتتميز نصوصه بخصائص لافتة للانتباه وضرورية للتفكير الحي المتجدد، ومن أهم هذه الخصائص:
 

ــ أن بيير بيار يجمع بين خاصتين جوهريتين: هو محلل نفساني
Psychanalyste وأستاذ للأدب الفرنسي بجامعة باريس الثامنة. 

ـــ أصدر بيير بيار ثمانية كتب لفتت انتباه القراء والمهتمين والمختصين في التحليل النفسي والأدب، بمفاجئاتها واكتشافاتها ومراجعاتها للأحكام والمسلمات. ففي كتابه: من قتل روجيه أكرود؟ (1998)، وكتابه: هاملت: بحث وتحقيق (2002) كشف أن بعض الكتّاب قد يخطئون بخصوص مرتكبي الجرائم في أعمالهم، وهم بذلك يتركون المجرمين أحرارا! وفي كتابه: كيف نصلح الأعمال الأدبية التي أخطأت هدفها؟ (2000) فتح ورشا لاعادة كتابة الأدب، وحتى الكتّـاب الكبار، في نظره، قد تصيبهم لحظات ضعف، والى الناقد يعود القيام مقامهم. وفي كتابه : الغد مكتوب (2005) يتساءل بيار: هل يستمد الأدب إلهامه من الماضي فقط أم من المستقبل أيضا؟ هل كان ممكنا أن تسبح أعمال فرجيينا وولف في متخيل الماء والموت لو لم تستمد ذلك مما سيعلمه إياها انتحارها في المستقبل؟ أكان ممكنا أن يصف موباسان الحمق في بعض أعماله لو لم يقم هو نفسه في المستقبل بتجربة أليمة؟
 

وتكمن أهمية هذه الأسئلة في أنها، أولا، إعادة النظر في مفاهيمنا التقليدية التي تبقى سجينة مسلمة مفادها أن الأسباب تسبق بالضرورة النتائج، في حين نجد الأدب يقول العكس. وتعلمنا ثانيا أن دراسة بيوغرافية الكتّاب تفترض أن ليست الحياة وحدها هي التي تحدد العمل الأدبي، بل إن العمل الأدبي قد يحدد الحياة أيضا.
 

ــ استطاع بيير بيار أن يؤسس له أسلوبا خاصا، ومن أهم سماته: التفكير في المفارقات والميل إلى البحث والتحقيق والسخرية. وهو يقول إن منهجه غير فاعل وغير إجرائي، وهنا خاصية أخرى في أسلوبه: الميل إلى الفشل واخطاء الهدف والخطأ والإفلاس، وهذه خاصية سمحت له بالاشتغال على النصوص بطرق مختلفة، فقد يكون هذا الاشتغال تعديلا للنصوص كما في بحثه حول هاملت، وقد يكون تصحيحا وتنقيحا كما في كتابه عن بروست، وقد يكون تغييرا كاملا للنصوص كما في كتابه حول الأعمال الأدبية التي أخطأت هدفها.
 

3 ــ 2 ــ بيير بيار مختص بالذات في علاقة التحليل النفسي والأدب، وهذا ما يفسر لماذا يجمع أسلوبه بين الجد واللعب، كيف يقلب العبارات من أجل لا بناء منهج جديد يدعي الكمال ويطمح إلى الهيمنة، بل من أجل فتح آفاق جديدة للتفكير في الأدب بسخرية لاذعة لا تؤمن كثيرا بالأسس التي يقوم عليه النقد أو النظرية.
 

وبغير قليل من السخرية، يقدم الباحث نظرية جديدة: تطبيق الأدب على التحليل النفسي، ويمكن اختزال مضمونها في عناصر أساس، من أهمها:
 

ــ لاحظ بيير بيار بأن النقد الأدبي التي يطبق التحليل النفسي قد أصابه الإفلاس، ويعود السبب في ذلك إلى أن تطبيق التحليل النفسي على الأدب يؤكد النظرية التي تمّ الانطلاق منها، ولا يضيء العمل الأدبي. وبالعكس، إذا تم الاعتماد على منهج يقلب الأشياء، يكون بإمكان الأدب أن يقول أشياء عديدة للتحليل النفسي.
 

وبعبارة أخرى، فالفكرة الأساس عند بيير بيار أنه ليس من الملائم تعنيف النصوص وإسقاط تأويلات عليها، بل لابد أن نعمل من أجل أن تمتد معانيها فينا، وأن تنطلق منها عناصر معرفة جديدة.
 

ــ فسر بيير بيار أن المعرفة الإنسانية حول الجهاز النفسي لم تكن مسارا بطيئا عرف انطلاقته القوية في القرن التاسع عشر، وخاصة في أواخره مع فرويد، كما يعتقد البعض. وقد حان الوقت في نظره لاعادة قراءة ما " قبل " التحليل النفسي، وفي هذا الإطار أصدر بيار كتابا مهما سنة 1994 عنوانه: موباسان، بالضبط قبل فرويد(7) .
 

وفي هذا الكتاب يقرأ المؤلف فرويد بمساعدة موباسان، ويقوم باكتشاف الإمكانات النظرية التي يمكن أن توجد في فعل الكتابة نفسه، ويعلمنا في هذا الكتاب وفي كتب أخرى كيف نعيد بلذة جديدة اكتشاف هوميروس وسوفوكل وشكسبير وموباسان وهنري جيمس.
 

يهتم بيار في كتاباته بإعادة قراءة أعمال أدبية سابقة ، ويقوم بفحص بعض المعاصرين لـفرويد وهم لافرويديون من مثل بيسوا وبروست، وينتقل إلى كتّـاب ما " بعد " فرويد من مثل أندري بروتون وبول فاليري وسارتر وأكاتا كريستي ... الخ.
 

وغايته من ذلك أن يوضح أن الأدب، بمنطقه الخاص، لا يكفّ عن الخلق والإبداع، ويقدم " نظريات أخرى " قابلة للاكتشاف، ويمكنها أن تكون أكثر تقدما مما يقدمه التحليل النفسي.
 

وهو في هذا السياق يسجل، بسخرية لاذعة، أن التحليل النفسي قد هيمن على أشكال المعرفة التي تهتم بالجهاز النفسي ، وقام بابتلاع الأدب بشكل من الأشكال، وجلس على عرش كل المعارف الممكنة حول الجهاز النفسي.
 

ويواصل بيار سخريته من التحليل النفسي، فيشبه نظام تفكيره، كما يمارس اليوم، بأنظمة المعلوميات. فالتحليل النفسي هو :
Systeme Windows الذي من دونه لا يمكن الدخول إلى الجهاز النفسي، والفرويدية قد احتلت، في مقاربة الجهاز النفسي، مكان مايكروسوفت للحواسيب الفردية. 

بالنسبة إلى بيير بيار، إذا أردنا الاستمرار في إنتاج الفكر حول الذات أو حول العلاقات بين الكائنات الإنسانية، فان سؤالا أساسا يفرض نفسه: كيف الخروج من نظام تفكير التحليل النفسي؟
 

ويذهب بالسؤال بعيدا، فيتساءل: كيف الخروج من التحليل النفسي ليس بالرجوع إلى الوراء، بل بالتوجه نحو المستقبل؟ والجواب الذي يقترحه هو : الأدب. بمعنى أنه يقترح تطبيق الأدب، على الأقل في أعماله الكبرى، في دراسة الجهاز النفسي. فالأدب، في نظره، ينتج، بطرقته الخاصة، مفاهيم، وإذا عدنا إلى أعمال باسكال وسرفانتس وفلوبير وبروست وفاليري وبروتون وناتالي ساروت وموباسان وبورخيس وزولا سنجد مفاهيم لقراءة الجهاز النفسي.
 

ويعطي بيار أمثلة مهمة عن المفاهيم التي يمكن استخراجها من الأعمال الأدبية. ويؤكد على أن قوة النماذج الأدبية تعود إلى ضوئها الهارب، واستبدالها المفاهيم بالكلمات، وعدم دقتها النظرية، وهي في الواقع لا تحتوي إلا على ممكنات أو مقاطع نظرية تستلزم مشاركة قرّاء قادرين على إبراز هذه العملية الأولية التي تسبق عملية التنظير، والتي انطلاقا منها يفكر الأدب ويدفع الآخرين إلى التفكير.
 

وبمعنى آخر، من أجل أن نجعل من النماذج الأدبية نسقا منافسا للنموذج الفرويدي، لابد من تحويل الكلمات إلى مفاهيم، وهو ما يعني استيلاد التحليل النفسي من الأعمال الأدبية نفسها.
 

وإجمالا، إن اقتراح تطبيق الأدب على التحليل النفسي اقتراح جريء وخصب، لأنه يعرض مستقبل التفكير الذي تفتحه النصوص الأدبية وأنماطها الخاصة في الابتكار والإبداع. وهذا اقتراح من كاتب هو في الوقت ذاته محلل نفساني وأستاذ للأدب بالجامعة الفرنسية، يجمع بين التخييل والتنظير بطريقة مدهشة، ويزاوج بين الشك والإصغاء الحكيم للكلمة، كلمة الآخر.
 

وفي الختام، نستحضر قولة لــسيغموند فرويد تختزل ما جاء في هذه الدراسات:
 

" إن الشعراء والروائيين هم أعز حلفائنا، وينبغي أن نقدر شهادتهم أحسن تقدير، لأنهم يعرفون أشياء ... لم تتمكن بعد حكمتنا المدرسية من الحلم بها. فهم في معرفة النفس معلّـمونا، نحن معشر العامة، لأنهم ينهلون من موارد لم نفلح بعد في تسهيل ورودها على العلم"(8).
 

الـهـوامــش: 
1 ــ ومن أهم ما صدر في العقود الأخيرة:


Mario Lavagetto,Freud a l epreuve de la litterature,Seuil,2002

Philippe Willemart,Au-dela de la psychanalyse,les arts et la litterature,Harmattan,1998

Paul-Laurent Assoun,Litterature et psychanalyse,Ellipses,1996
 

 


نوشته شده در تاريخ شنبه 1391/01/26 توسط شاهسونی (دکترای زبان و ادبیات عربی)

 الـــكــــتـــابــــة والـــجــــســــد 
قراءة في قصص وفاء مليح

د. حسن المودن

" أمسكت المرأة القلم وافتضت بكارة بياض الصفحة. امتطت صهوة 
الكتابة. ابتدأت الرحلة. تسللت إلى العراء لتمنح للحرف روحها
وجسدها. أعلنت قصة عشقها بل مارست الحب أمام الملأ، بما أن
الكتابة تبيح لها الغبطة والتحرر والانطلاق نحو أفق مفتوح. لكن
الكتابة لم تكن لتملأها لذة فقط فهي تمارسها بألم عميق، لأنها تكتب
بدمها عن صرخاتها المكتومة. " (وفاء مليح: أنا أكتب إذن أنا موجودة).
أصدرت الكاتبة المغربية وفاء مليح مجموعتها القصصية الأولى: اعترافات رجل وقح سنة 2004، وهي تتألف من خمس عشرة قصة، كتبت ما بين 1996 و 2002. ونعتقد أنها قصص تنتمي إلى هذا النوع من الكتابة النسائية التي ظهرت أواخر القرن الماضي وبداية القرن الحالي، في الأدب الغربي والأدب العربي، وأهم ما يميزها هو الاشتغال على موضوعة مركزية: الجسد، والأنثوي بالأخصّ.
يتعلق الأمر بموضوعة جديدة ومثيرة، لأن الجسد الأنثوي في الآداب السابقة لم تكن المرأة هي من يقوله، بل غالبا ما نتعرّفه من خلال نصوص الرجال، أي من خلال رؤية ذكورية. وبهذا يبدو هذا النوع من الكتابة النسائية الجديدة كأنه يهدف إلى تأكيد حقّ الجسد الأنثوي في الوجود وممارسة حقّه في الكلام عن ذاته دون وسيط، وتقديم نظرته إلى الجسد الآخر: الجسد الذكوري، وبناء رؤيته للجسد الأنثوي والذكوري.
ومن هنا يلاحظ أن هذا النوع من الكتابة كثيرا ما يلتزم بأشدّ أنواع الواقعية في كتابة الجسد الأنثوي وتجاربه في الواقع والحياة، ويقدّم نفسه على أنه نقيض الكتابة الرومانسية(الذكورية بالأخصّ) في رؤيتها للجسد كما في طريقة كتابته.
وتستتبع هذه الملاحظة ملاحظة أخرى، وهي أن أغلب هذه النصوص النسائية توظف تقنيات الإخبار والتوثيق والتسجيل في كتابتها للجسد، وأقوىّ هذه النصوص، وربّما أقلّها، هي تلك التي تنتقل إلى شيء آخر يكتسي أهمية قصوى عندما يتعلق الأمر بالكتابة: إنتاج العوالم الخيالية.
ونعتقد أن نصوص وفاء مليح تحاول أن تستفيد من أغلب هذه العناصر والأنواع: إنها تقول واقع الجسد الأنثوي موظفة تقنيات الإخبار والوصف والتسجيل، وهي بهذا تتقدم مناقضة للرؤية الرومانسية التي تتعالى على الواقع المادي الملموس للجسد، والأنثوي بالأخصّ. ومع ذلك، وفي الوقت ذاته، تعمل نصوص الكاتبة على إنتاج عوالم خيالية اعتمادا على التخيّل والتوهّم والحلم والاستيهام وتشكيل لوحات فنية تقوم على المسخ والتحول أكثر مما تقوم على تسجيل الواقع بطريقة اسنساخية حرفية. وفوق ذلك، فهي بتوظيفها تقنيات البوح والاعتراف والمحكي النفسي، تأتي اللغة لا تقريرية جافة بل لغة يغمرها الصوت الرومانسي: إنها تنقل صرخات الروح وآلام الجسد، وتقول ما في الجسد من الغرابة والعزلة والمجهول، وما فيه من الحب والرغبة والألم والجمال. 
1 ــ كـتـابـة رومــانـسـيـة /كـتـابـة ضــدّ رومـانـسـيــة:
ظهرت كتابات نسائية جديدة، في الأدبين الغربي والعربي المعاصرين، يسترجع فيها فعل الحبّ جوانبه الواقعية و الطبيعية، المادية الملموسة، بلغة غير مألوفة تقول الجسد والرغبة واللذة، وبكتابة مغايرة تستحضر المكبوت والمنسيّ، ترفض كبت العناصر الطبيعية في جسد الإنسان، أكان ذكرا أو أنثى: الرغبة والجنس واللذة والألم.
ونقترح أن نصف هذه الكتابات الجديدة بأنها كتابات ضد رومانسية، لأنها لا تقبل أن تحوّل الحبّ إلى فعل ميثولوجي أسطوري، أي إلى فعل يقول الحب مسبوغا بشطحات الخيال والهوس والجنون والكآبة المفضية إلى ربط الحبّ بالموت.
الحبّ إحساس نابع من الروح، ولكنه لن يكون حيّا يتمتّع بوجوده وحضوره إلا بالعلاقة الفعلية التي تمرّ عبر الأجساد. وهذه العلاقة الحيّة هي ما لم تكن تقوله النصوص الرومانسية، فهي تضفي نوعا من الأسطرة على فعل الحبّ، وتصوغه صوغا مثاليا فوق إنساني، وتتعالى على وجوده الماديّ الملموس. وبالمقابل، نجد النصوص النسائية الجديدة تعمل من أجل استرداد جوانب الجسد الواقعية والطبيعية، وصوغ فعل الحب صوغا ماديا ملموسا.
ومع ذلك، فان الكتابات النسائية الجديدة التي تلقى ترحيبا أكبر، ربما لأنها تفتح آفاقا أوسع، هي التي تكتب الجسد في جوانبه الخارجية المادية في علاقتها بالجوانب الداخلية النفسية، وهي التي ترى فعل الحبّ من منظار مزدوج مركّب يزاوج بين المادة والروح، فلا يمكن أن نتحدث عن الجسد مجردا من حياته الداخلية الباطنية في تمظهراتها المرتبطة بالنفس والذهن والفكر والذاكرة والخيال. 
وتنتمي قصص الكاتبة المغربية وفاء مليح إلى هذا النوع من النصوص، ففي أكثر من نص، نجد الجسد والحب يسترجعان جوانبهما المادية الطبيعية، والفعلية الحيّة، من دون التضحية بالجوانب النفسية الداخلية، كما في هذا المقطع:
" استسلمت للمساته تضرم الحرائق في جسدها الصغير. كيف لا؟ وهو الرجل الذي عرف كيف يضيء فوانيس الانتشاء، باحثا عن مواطن اللذة فيه وعازفا على كلّ أوتاره. وهي بغزارة الشوق وإغراء منه بالاقتراب تذوب فيه عشقا وتلتصق به باحثة عن نفسها في أنفاسه الحارة اللاهثة."(ص 23). 
وبهذا المعنى، فالرومانسي ليس غائبا تماما، فهو يتسلل إلى الكتابة عندما يتعلق الأمر بدواخل الجسد وبواطنه، فالحب، أو الأصحّ تبعا لعبارة المقطع أعلاه: العشق، هو في الوقت نفسه أحاسيس أو رغائب داخلية وأفعال أو حركات خارجية بين جسدين. 
وبعبارة أخرى، فنصوص وفاء مليح ليست نصوصا تقول الجسد والجنس منفصلين عن الشعور والإحساس والحبّ. فهي نصوص لا تزيح الحبّ جانبا، ولا تجرّد العلاقة الإنسانية بين الرجل والمرأة، بين الذكر والأنثى، إلى محض فعل غريزي منفصل عن الإحساس والشعور. ويمكن أن نستحضر مقطعا من قصة: اللحظة الهاربة دليلا على المكانة التي يحتلها الإحساس والشعور ّ في قصص الكاتبة: 
" مضيا نحو الاكتشاف، يجولان الشوارع والأزقة بدون ساعة تقيدهما بالوقت، يطلقان العنان لأشياء بداخليهما. تعطر الليل بأريج اشتياقهما المنثور، وبعدما غسلا قلبيهما بعتاب دافئ حميم، توقفا لحظة أمام حديقة تملأها ورود، اقتطف وردة قدمها إليها في وجل، استلمتها بيد مرتعشة وقلب يخفق كقلب صبية، تمنّت حينها لو أن الزمن يتوقّف، لقد حرّك الأنثى بداخلها. دقّ قلبها إيذانا بميلاد شيء يبقى وليد تلك اللحظة الهاربة." (ص21).
إلا أن هذه الكتابات النسائية الجديدة تقدم صورة ضدّ رومانسية عن علاقة الحبّ بين جسدين، بين امرأة ورجل. فإذا كانت الرومانسية قد أسست ميثولوجيا عاطفية تقوم فيها علاقة الحبّ على امتلاكية تجرّد المرأة من شخصيتها الإنسانية، فقد ظهرت نصوص نسائية، في الأدبين العربي والغربي المعاصرين، ترفض اعتبار الجسد الأنثوي مجرد شيء ينبغي أن يمنح متعة، وأن يعمل من أجل أن يرضي الاستحواذية في الحبّ الرومانسي. 
وتنتمي قصص وفاء مليح إلى هذه النصوص التي تقوم فيها علاقة الحبّ والرغبة والجنس على التكافؤ، أو الأصحّ أنها نصوص تبحث عن علاقة تقوم على التعادل والتكافؤ والتفاعل والتوازن. فهي ترفض اختزال المرأة وجسدها إلى مجرّد موضوع للمتعة واللذة، أي أنها لا تقبل تشييء المرأة وتجريدها من هويتها الإنسانية في معناها المادي(الجسد) وفي معناها الروحي( النفسي والشعوري).
والخلاصة في هذا الموضوع أن نصوص الكاتبة تقول الجسد والحب والرغبة من منظور يحاول أن يخلق تكافؤا بين الرجل والمرأة، ويحاول أن يتموقع في المنزلة بين المنزلتين: بين الجسدي والنفسي، بين المادي والروحي، بين الحسّ والمتعة، بين الواقعي والرومانسي، ويتقدم الحبّ والرغبة والجنس على أنها أفعال وسلوكات طبيعية هي التي تجعل الفرد يشعر بهويته الجسدية كانسان يتميز بحيوية يتألق معها جمال النفس.
وهكذا، قد تتجلى قيمة هذا النوع من النصوص في جرأتها على تناول موضوعات يلفّها الكثير من الصمت، إلا أن ذلك لا يكفي، فسؤال الكتابة نفسه سيبقى مطروحا: كيف نكتب الجسد والحب والجنس؟ فلا يكفي في الأدب تناول موضوعات ـ طابوهات، بل لا بد من العناية بكيفيات كتابة هذه الموضوعات. ونعتقد أن الكاتبة وفاء مليح تحاول اسنتطاق هذا النوع من الموضوعات بكتابة لا تكتفي بتسجيل واقع الجسد بلغة استسهالية فقيرة، بل إنها تنفتح على الحلمي والخيالي والشعري، وتفتح آفاقا نراها جوهرية كلّما تعلّق الأمر بمسألة الكتابة.
وعموما، فما يميّز نصوص وفاء مليح أنها تنقل الجسد الأنثوي إلى حيّز القول القصصي، وتقدّمه بطريقة ضد رومانسية، أي كذات للرغبة واللذة لا كمجرد شيء محكوم عليه أن يظلّ موضوعا للذة الآخرين ومتعتهم. و هي تقول تجارب الجسد في الحياة، وبطريقة شديدة الواقعية، ومن هنا فهي تقدم نظرة جسدانية مادية شديدة التعلق بالجنس، وتنطلق من أن الجسد والرغبة واللذة من المكونات الجوهرية الطبيعية لهوية الإنسان، ذكرا كان أو أنثى. 
ولكنها بالمقابل، نصوص لا تكتفي برصد الواقع المادي الخارجي للجسد، بل إنها تحمل نظرة نفسانية تكشف أن للجسد دواخل وبواطن من الضروري أخذها بعين الاعتبار ، والتعبير عنها يجعل اللغة ميّالة إلى الرومانسية، فهي لغة الاعترافات التي تقول السرّي والمخفي والحميمي والداخلي، وهي اللغة التي تقول حالات التشظي والألم والعنف، كما تقول حالات الحبّ والحلم والمتعة.
2ــ كـتـابـة الـجـسـد الـبـرانـيـة/ كـتـابـة الـجـسـد الـجـوانـيـة
2 ــ1ــ كتابة الجسد مصطلح يشير إلى الكتابة النسائية المنطلقة من الجسد، والمصطلح أطلقته جوليا كرستيفا
Julia Kristevaعام 1974 في كتابها: ثورة اللغة في الشعر. والملاحظ أن تقاربا لافتا بدأ يتحقق بين الكتابة والجسد في التخييل الإنساني المعاصر، والنسائي خاصة. وفوق ذلك، فمنذ أواخر القرن الماضي لم تعد الكتابة تعني كتابة تجربة امرأة داخل المجتمع، قدر ما تعني منح مساحات واسعة للجسد، والدفع بالعلاقة بين الكتابة والجسد إلى أقصى حدود التداخل. وهنا يمكن أن نستحضر اهيلين سيكسوس Helene Cixous التي تشدّد على ضرورة أن تنصرف الكتابة النسائية إلى الجسد، بل والاقتصار عليه، داعية الكاتبات إلى وضع أجسادهن في كتاباتهن.
وقد دعّم النقد النسوي هذه العلاقة، وخاصة بعد انتقاله من مجال العلوم الاجتماعية والتاريخية إلى مجال التحليل النفسي والدراسات الأدبية والثقافية، وتحليله للتراث الفلسفي ونقده، كاشفا النقاب عن محاولات الهروب من الجسد والجنس وغواية اللاوعي، وهي المحاولات التي أبقت هذا التراث الفلسفي أحادي الرؤية، يرفض التفاعل، ويركّز على التعارض بين الروح والجسد، وبين العقل والعاطفة، ويفصح عن أفكار السيادة والهيمنة والتحكم في العاطفة والجسد، ويصطدم بالخوف من المرأة، فيحطّ من قيمتها ومن كلّ ما يرتبط بها، كالجسد والرغبة والجنس، ويعتبر قوة المرأة خطرا يجب أن يكبح بواسطة السلطة الأبوية. 
وشدّد النقد النسوي على خصوصية الأدب النسائي باعتباره تمثيلا لعالم المرأة، وبيّن أن هذه الخصوصية تستمدّ شرعيتها من خصوصية النوع الإنساني للمرأة(الأنوثة)، وخصوصية التنميط الثقافي الذي تخضع له، فهي تنتظم في سلسلة علاقات جسدية ونفسية وسوسيوثقافية مع العالم من جهة ومع ذاتها من جهة أخرى.
وقد ظهرت كتابات نسائية جديدة في السنوات الأخيرة، في الأدب الفرنسي والعربي مثلا، لا يمكن تصورها في العقود السابقة، فهي تربط بين الجسد والوجود، معتبرة الجسد وحده المعني بجعل الوجود واقعة وحدثا، و تزيل كل الطابوهات التي تتعلق بالجسد داخل الأدب، وخاصة جسد المرأة الذي لم يكن له الحقّ في الكلام، فهو في التراث الأدبي أخرس لا يمكنه الحديث. وترفض هذه الكتابات اعتبار جسد المرأة مجرد حقل للحدث أو فراغ للملء أو لحم للأكل، وترفض الانتماء الدائم إلى رغبة الرجال الأنانية، مركّزة على كتابة شهوانية الجسد النسائي المكبوثة.
ويعود الفضل إلى هذه الكتابات النسائية الجديدة في خلع الطابع الاستيهامي عن جسد المرأة، وتنزيله إلى أرض الواقع، فيتقدم جسدا حسيا حقيقيا ملموسا. والملاحظ أن بعض هذه الكتابات قد نجح في تقديم الجسد المعيش والملموس، وتناول العلاقة الجدلية مع جسد الآخر، وتصوير الخلل في التوازن بين الأنوثة والذكورة، والتوازن بين حركات الجسد الخارجية والداخلية. وبالمقابل يلاحظ أن بعض هذه الكتابات، في الأدب الفرنسي المعاصر مثلا، تقدم كتابة باردة عن الجسد، فهي كتابة تستحوذ عليها الرغبة في استهلاك أكبر عدد من الأجساد، من دون وجه أو رأس أو قلب، فهي تستهلك الجسد كما تستهلك باقي الأشياء في مجتمع ليبيرالي ذي نزعة استهلاكية. 
2 ــ 2 ــ نعتقد أن نصوص وفاء مليح تستفيد من خصائص هذين النوعين من الكتابة، فهي تكتب جسد المرأة من الخارج، وقد تعرض أعضاءه الأكثر حساسية، وحركاته الأكثر إثارة، وهو ما قد نسميه كتابة برّانية للجسد:
" خلعت ملابسي، وقفت أمام المرآة بجسد عار لأتأكد أن لي أعضاء الأنثى، أتحسس كل مناطقه، أتلمس ثديي، ردفي ..." (ص 30).
هي كتابة تصف جسد المرأة من الخارج، وتعيد الاعتبار لهوية الجسد الأنثوية، فهي كتابة برانية تقول جسد المرأة المتعب والمستنزف والمترهل والعاجز، كما تقول نظرتها إلى جسدها فتيّا وناضجا، وتصور التحولات الكبرى التي يتعرض لها جسد المرأة، وخاصة في مرحلة المراهقة:
" تحاول فهم هذا التحول المفاجئ الذي طرأ على إدراكها لما حولها، تحاول فهم أكثر تضاريس جسدها التي تكونت حديثا، حلمتان تطلان من صدرها بزهو، شعيرات متناثرة تنبت تحت إبطيها" (ص 31).
لكنها في الوقت نفسه كتابة تكشف أن للجسد حياة داخلية باطنية، فهو شيء حيّ مليء بالأحاسيس والانفعالات التي لا تقال. وهذا يعني أن الكتابة الجوانية من رهانات كتابة الجسد. وكتابة الجسد تعني في الواقع كتابة دواخل الجسد، أكان للرجل أو للمرأة. وهذه الملاحظة هي التي شددت عليها بياتريس ديديي
Beatrice Didier في كتابها: الكتابة ــ المرأة.
وبمعنى آخر، فقصص الكاتبة لا تقول الجسد المادي فقط، بل تقول الجسد النفسي أيضا. ومن هنا كثرة استعمال المحكي النفسي في قصص الكاتبة، وميل شخصياتها النسائية إلى قول الحياة الداخلية لأجسادهنّ، كما في هذا المثال حيث لا تكتفي الساردة بالحديث عن التحولات الفيزيولوجية لجسد المراهقة، بل تكشف ما ينتج عن ذلك من هزات نفسية واضطرابات داخلية:
" في داخلها تتفجّر حركة واصطخاب عواطفها مشتعلة تدفعها إلى الجري وراء اكتشاف متاهات عالم يؤرق مضجعها ..." (ص 33). 
أو كما في المثال الموالي حيث نسمع كلاما داخليا استعاريا لجسد امرأة أنهكه وأخرسه النظام العائلي الاجتماعي:
" أشياء كثيرة تسكنني كرعدة الحمى وصرعة الفرح الجموح، لكن خيولي بعد الزواج ألجمت، ولم أعد قادرة على الركض، والعصافير المحلقة داخل أرجاء نفسي لم تعد قادرة على التحليق" (ص 64).
تحاول قصص وفاء مليح أن تشخص الحياة الداخلية للمرأة في مختلف الأعمار والأوضاع الاجتماعية( المراهقة، الزوجة، العانس، الموظفة، العاهرة، المطلقة)، وهي تستخدم في ذلك تقنيات متنوعة، منها أساسا تقنيات المحكي النفسي والمونولوج الداخلي والأحلام والاستيهامات والهذيانات والتخيلات والتأملات والمرايا واللوحات الفنية والتضعيفات التخييلية. وقد مكّنتها هذه التقنيات من كشف الصدمات والانقسامات والتمزقات والتشويهات والمسوخات التي يتعرض لها جسد المرأة.
تكتب قصص الكاتبة جسد المراهقة الفتي في ما يعرفه من تحولات كبرى تصاحبها هزات نفسية في وسط سوسي ثقافي قاهر، وتكتب جسد الزوجة التي حولها زوجها إلى عاهرة و" وشم جسدها بطابع المهانة المشرفة على السقوط في مسارات العري الآثم"(ص43)، وتكتب النسيان الذي يلفّ جسد الزوجة العاملة المشتتة بين العمل داخل البيت وخارجه في وسط عائلي قاهر، وتقول صرخات هذا الجسد الداخلية من خلال محكي نفسي استعاري يكشف الرغبة القوية والملحاحة في التحرر من قبضة واقع قاهر:
" أحسست أعماقي تختنق، وكأن بركانا تضطرم نيرانه داخلي. صرخة منغرسة في الداخل تعلن رغبتها في التحرر من قبضة الزمن الآثم" (ص63).
وفي قصص وفاء مليح، لا تعرف الكتابة كيف تقول الواقع الاجتماعي والنفسي للجسد الأنثوي فقط، بل إنها تعرف كيف تحوّل هذا الواقع إلى شيء متخيّل ومرموز، فواقع الجسد في حالة الزوجة العاملة يتحول إلى لوحة فنية على هذا الشكل: 
" غمست الفرشاة في الأصباغ، وتركت ليدي العنان تضرب هنا وهناك، التفت إلى المرآة المنتصبة أمامي، فبدت لي بصلة تتدلى من أعلى رأسي تقطر ماء وتغسل ملامح التشتت التي تسكنني وأشكالا عائمة في فوضى الترهل والعجز" (ص 64). 
وفوق ذلك، يتعلق الأمر بكتابة تنفض الغبار عن الجسد المنسي، وتستنطق ذاكرة الجسد الغابرة:
" سرحت بفكري، تقول الساردة، إلى الأفق البعيد، كانت خيوط تشدّني إلى ذلك الجسد، أعيد تشكيله علّني يوما أهتدي إلى جزئه المنسي تحت ركام الذاكرة الغابرة" (ص14). 
تكتب نصوص وفاء مليح الجسد كتابة هي برانية وجوانية، فهي لا تكتفي بعرض أعضاء الجسد الأنثوي وتحولاته الفيزيولوجية، ووصفه كشيء مادي ملموس ينبغي أن يقال بلغة مادية ملموسة، بل هي تستنطق باطن الجسد الأنثوي وذاكرته، وتقول رغبته ولذته، مكبوته وألمه، حلمه ومصيره الذي لا يختاره دوما. 
والملاحظ أن للمرآة حضورا خاصا في قصص وفاء مليح، كأن جسد المرأة الخارجي والداخلي لا يمكن أن تقال إلا من خلال " لحظة المرآة"، وفي هذه اللحظة قد يتعلق الأمر بامرأة تكتشف جسدها الفتيّ أمام المرآة، وتسعى إلى فكّ أسرار رغائبه المندفعة المشتعلة، وتحاول أن تتعرّف على هويتها الأنثوية، وقد يتعلق الأمر بامرأة أنهك النظام الاجتماعي جسدها وأخرسه، وحوّله إلى جسد متمزق منقسم على نفسه، وفي المرآة قد يتبدّي جسد الحاضر المشوّه، وقد يستحضر ذلك الجسد الآخر من ذاكرة النسيان. 
والأكثر من ذلك، أن الصور التي تتشيّد عبر النصوص تكشف بحثا عن جسد مستحيل، ففي داخل الجسد يوجد جسد آخر مقموع ومكبوت. وهذا الجسد الآخر المكبوت لا يعرف الحضور في قصص الكاتبة إلا من خلال التذكر أو التخيّل أو الحلم أو الرسم. ولا تختلف مهمة الكتابة ـ كتابة الجسد ـ عن هذه المهمة التي يقوم بها الحلم أو غيره، فهي تظهر الجسد وتقول الرغبة، وتدفع الجسد الراكد إلى أن يتفجّر، وتعمل على استرداد الجزء البيولوجي للأنا، وتجعل هذه الأنا منفتحة على تدفقات أسسها الطبيعية، وتسمح لها بمساحة لتشغيل استيهاماتها وتحرير رغائبها المقموعة والمكبوتة.
3ــ نــحــو كـتـابـة بـورنـوغـرافـيـة جـديـدة: 
3 ــ 1 ــ أول عـبـارة نـسـتـحضرها عندما يتعلق الأمر بــكـتـابـة الـجـنـس هي: 
" بورنوغرافيا". وتعود أصول عبارة: بورنوغرافيا إلى الإغريق:
porne وتعني: عاهرة، و graphein وتعني فعل الكتابة. وبهذا المعنى، يمكن القول إن البورنوغرافيا تطرح في أصلها مسألة تمثّل الجسد والجنس داخل الكتابة.
وتبعا للدارسين الغربيين، عرفت البورنوغرافيا تطورا تاريخيا تميّز بالازدواجية، انطلق مع رائد البورنوغرافيا:
Rétif de la Bretonne ، وتفرّع إلى تعبيرين بورنوغرافيين متناقضين: 
من جهة أولى هناك بورنوغرافيا تشخيصية، وإمكانية تشخيص الجنس لا تطرح بالنسبة إليها أيّ مشكل، وهي بورنوغرافيا تنحدر من الأدب الايروتيكي، وتنتهي اليوم إلى " بورنو " تجاري استعراضي فرجوي. 
وتعرف الكتابة النسائية المعاصرة، في الأدب الفرنسي مثلا، اتجاها إلى تسجيل الجنس بشكل مكشوف ومفصّل وفاضح، مزيلة كل الطابوهات التي تتعلّق بالجنس داخل الأدب وبـ "حياء" المرأة بخصوص الجسد والجنس والعهارة. ويمكن أن نستحضر هنا كاتبات من مثل
Claire Legendre و Virginie Despentes و Catherine Millet و Raphaela Anderson و Chatherine Breillat و Christine Angot و Clotilde Escalle و Alina Reyes،كما تمكن الإشارة هنا إلى عناوين روائية من هذا الاتجاه:
Viande/Pornocratie/Baise moi/ Monologues du vagin 
وبعض هذه الكتابات تكتب الجنس بطريقة بورنوغرافية خالصة، وقد أثارت كاترين مييي
Catherine Milletضجة كبيرة سنة 2001 بروايتها: الحياة الجنسية لكاترين م. La vie sexuelle de Catherine M، وانقسمت الآراء حول روايتها: هناك من نظر إليها نظرة سلبية، فالكاتبة تحكي كيف تمارس الجنس ومتى وأين، وكم عدد الرجال ضاجعت، وتعرض جسدها الأنثوي في كل الأوضاع، وتقدّمه كشيء لا يمتعه إلا الجنس إلى ما لا نهاية. وهي بهذا تقدم نصوصا تقنية باردة يتحول معها الجنس إلى تجربة كلينيكية مكتوبة بلغة فقيرة، أي إلى فعل ميكانيكي لا يتألف إلا من مجموعة من الحركات وردود الأفعال. وهناك من نظر إليها نظرة ايجابية، معتبرا الكتابة البورنوغرافية في هذه الرواية أقوى من الكتابة الايروسية التقليدية التي ألفناها في العديد من النصوص، لأن الكتابة البورنوغرافية لا تخفي جنس موضوعها كما هو الحال في تلك الكتابة الايروسية، وتنتهك الصمت الذي نحيط به تجربة الجنس.
ومن جهة ثانية هناك بورنوغرافيا لاتشخيصية وغير نفعية، تقوم على أشكال وأنظمة مغايرة تسمح بكتابة قسوة الجنس، وتجاوز الشكل النفعي لتمثّل الجنس وتشخيصه. ورائد هذا التيار البورنو ـ غرافي الثاني هو ساد
Sade ، وهو رمز التصور الحداثي للبورنوغرافيا متمثلة في الكتابات المعاصرة: نظام القسوة عند ارتو A.Artaud ، والايروتيكية عند جورج باطاي G.Bataille ، وكتابات الشذوذ عند كلوسوفسكيP.Klossowski، والبورنولوجيا عند دولوزG.Deleuze، والكتابة العهرية عند غيوطاP.Guyotat .
وتتجلى أهمية البورنوغرافيا اللاتشخيصية وغير النفعية في كونها مساءلة للغة في علاقتها بالجنس، فهي تلفت الانتباه إلى التحولات التي تصيب اللغة عندما تحتك بالجنس، والجنس لم تعد له ميول إلى الإثارة هنا، بل هو لم يعد إلا تلك النقطة الحدّ الذي تتوقف عنده اللغة لتسائل ذاتها وتتأمل الجنس في علاقته بالعنف والقسوة والكبت والحرمان والقهر والموت.
3 ــ 2 ــ نعتقد أن نصوص وفاء مليح تقدّم كتابة بورنوغرافية تجمع بين المعنى اللغوي الأصلي والمعنيين المعاصريين السابقي الذكر، فهي تكتب العهارة، وتقدم تشخيصا للجنس، وتربط الجنس بالعنف والقسوة والألم:
3 ــ 2 ــ 1 ــ كـتـابـة الـعـهـارة:
في معناها اللغوي الأصلي، تعني عبارة " بورنوغرافيا " كتابة عاهرة ما. ووفاء مليح كتبت عاهرة في قصتها: وليمة فوق السرير، ويتعلق الأمر بامرأة حولها زوجها إلى عاهرة يضاجعها مديره ورئيسه، فانفصلت عنه رافضة العيش مع زوج عاهر، و" اقتحمت مدينة العشق الآثم، وتوسدت فراش البغاء الوثير"، وأحاطت نفسها، وهي امرأة كاملة الأنوثة عالية الثقافة، " بسياج يمنحها هالة من الوقار وهي العاهرة بمقاييس العهر الارستقراطي".
ويدعونا هذا النص إلى ملاحظتين: الأولى أن العهارة ليست من اختيار المرأة، بل إن مصدرها هو الرجل ومؤسساته الاجتماعية التي تأبى إلا أن تحول المرأة إلى جسد نفعي يتداول بين الرجال في إطار تبادل المصالح. والملاحظة الثانية، ولها علاقة بالأولى، تتعلق بالحياة الجنسية للعاهرة، وبحياة جسدها الذي صار مستباحا:
" تطلق ضحكاتها الممزوجة بمرارة تتكاثف في أعماقها، وفي برهات تأمل تعي أن جسدها منفصل عنها، تعلوه ثقوب وبقع كامدة، معلق على جدار النسيان في انتظار وليمة فوق السرير" (ص45).
في هذا النص، تتأسس كتابة للعاهرة ليست غايتها وصف الحياة الخارجية لجسد عاهر، وسرد تجاربه الجنسية مع أجساد الآخرين، بل غايته أن يكشف الحياة الداخلية للجسد الأنثوي الذي استباحته مؤسسات المجتمع وعلاقاته الذكورية. وبهذا المعنى، فكتابة العاهرة لا تعني بالضرورة أننا أمام كتابة عهّرية، بل الأصحّ أننا أمام كتابة بورنو ـ غرافية، أي كتابة تكتب العاهرة في علاقة بعنف النظام الجنسي الاجتماعي وقسوته واحتقاره للمرأة وحرمان جسدها من حريته وحياته الطبيعيتين، وإخضاعه للمسخ والتشويه، وتغييب هويته الأصلية ورغبته الطبيعية.
وبعبارة أخرى، فان غاية كتابة العاهرة أن تتساءل: من هي العاهرة؟ماذا يعني أن تكون عاهرة؟ هل العهارة أصل في المرأة أو أنها هوية تأسست عن طريق الظروف الاجتماعية؟ أ يملك جسد المرأة حقّه في الحرية والرغبة والاختبار أم أنه خاضع للنظام الاجتماعي والثقافي والجنسي؟ أتصنع العاهرة مصيرها أم أنها تعاني منه وتتألم وتقاسي التمزق والانقسام، وخاصة على مستوى الجسد بالذات؟
والملاحظ أن هذا النص لا يقول عهارة المرأة فقط، بل وعهارة الرجل أيضا. وتتقدم عهارة الرجل كأنها الأصل و الوجه الذي لا يقال في مجتمع تقوده قيم الذكورية. فالعاهرة موضوع الحكاية هي ضحية زوج عاهر حوّل زوجته إلى عاهرة، ووشم جسدها بطابع المهانة، فهو الذي ورطها وأدخلها إلى فضاء العهارة عندما بدأ يستقبل مديره في العمل في بيته، ويقدم له زوجته، ويتركها برفقته متسللا من البيت، فاسحا المجال للضيف ليستمتع بجسد زوجته.
وفي قصتها: اعترافات رجل وقح ــ إلى كل الرجال المعجونين بالعهر ــ تكتب وفاء مليح الرجل العاهر أيضا، وتصف اعترافاته بالوقاحة، وتهدي القصة أو توجّهها إلى كل الرجال المعجونين بالعهر. وكأنها بهذه الأوصاف( العهر، الوقاحة) تضع مسافة بينها و بين كتابات رجل عاهر متجلية في اعترافاته ورسائله وكتاباته. 
تأتي اعترافات الرجل العاهر في شكل رسائل تتلقاها الساردة، وقد كانت علاقة حبّ تربط بينهما في الزمن الماضي. والوصف بالعهارة والوقاحة يهمّ بالدرجة الأولى نظرة هذا الرجل إلى المرأة والجسد والجنس، فهي نظرة، وان كانت تستنجد بالمجاز والاستعارة، فإنها نظرة عهرية، لأنها تشيّء جسد المرأة، وتعتبره مجرد فراغ لإطفاء الرغبات والأشواق، وتجرده من إنسانيته:" صديقاتي دمى جميلة، أنيقة" (ص 38)، يقول الرجل العاهر في إحدى رسائله، ولأنها نظرة تعتبر جسد المرأة مستباحا لإجراء كل ما يرغب فيه الرجل من عمليات جنسية سادية ـ مازوخية تتلبّس لباس المجاز والرمز والاستعارة: 
"على جسد كل أنثى كنت أبحث عن قصيدة عذراء لم تفتض بكارتها بعد، وعن مدينة جديدة غير مسكونة. في داخلي يسكن شهريار فتتبدى لي المرأة وحشا جميلا يفترس أحلامي، كلما لامست صدره العاري أكتم تمزقي، وأشعر بعثا مع كل اقتحام جديد..." (ص37).
وتبدو هذه النظرة العهرية أكثر وضوحا في ما كتبه الرجل العاهر عن زوجته، فهي من اختيار أمه، ولا تعلم ما يدور لا في العالم ولا في رأس زوجها، ومهمتها أن تحضّر له على السرير أفضل أطباقها، فهي ليست خادمة في المطبخ فقط، بل وفي السرير والفراش أيضا، والجنس هنا ليس شيئا آخر غير طبق مادي نفعي للذة أو للتناسل والتوالد.
" اختارت لي والدتي زوجة ...، لا تعلم ما يدور في العالم ولا ما يدور في رأسي... أحاورها فقط على السرير، وتذيقني من طبخها ألذّ الأطباق ...تسلّيني في ساعات سأمي. تحمل طفلي في بطنها، أنتظر باشتياق جارف المولود ..." (ص39).
3 ــ 2 ــ 2 ــ الكتابة البرانية للجنس / الكـتـابـة الجوانية للـجـنـس:
ضد هذه الكتابة العهرية التي تعتبر جسد المرأة مجرد أداة للجنس، لا حقّ له في أن يعبّر عن رغبته، ويعلن عن شهوته، تتقدّم نصوص وفاء مليح لتكتب الرغبة والجنس واللذة من منظور المرأة. ولاشك في أن مثل هذه الكتابة النسائية هي، في سياق الثقافة العربية السائدة، أصعب ما تمكن كتابته. 
وعلى عكس بعض الكتابات النسائية المعاصرة، فان وفاء مليح لا تكتب الجنس من منظور جسداني مادي خالص، بمعنى أنها لا تقدم كتابة بورنوغرافية بالمعنى السائد، بل هي تحاول أن تكتب الجنس من منظور لا يفصل بين الجسد والنفس، بين المادة والروح. 
الجنس، بالنسبة إلى المرأة في نصوص وفاء مليح، هو أولا رغبة، والرغبة إحساس داخلي، وهي ليست مقصورة على الرجل، ذلك أن جسد المرأة يمتلك هو الآخر إحساسا ورغبة. وكل هذا معناه أن الجنس ينطلق من الداخل وينتقل إلى الخارج عندما يحصل الالتحام بين جسدين، وهو في كليته استجابة لنداء داخلي:
" الآن أحسّ رغبة أكيدة في أن يلتحم جسدي بجسد رجل آخر، وأن تلامس شفتاي شفتيه، وأن تنصهرا معا في قبلة..." (ص 30).
ليس الجنس في نصوص الكاتبة مجرد ممارسة مادية بين جسدين، بل هو في الوقت نفسه ممارسة جسدية ـ نفسية، مادية ـ روحية:
" أطلقنا العنان لصمت شددنا خيوطه من ذبذبات الشوق وجنون الرغبة. جسدي الآن في ليلة من الليالي الألف. انحنى برأسه على أذني، يهمس لي بأنفاسه الحارة لوعة حبّ مخنوق، مرّر بشفتيه على خذي دون أن تلامساه لينحدر بهما إلى عنقي ثم يصعد بهما إلى شفتي ليتحدا في قبلة أشعلت الحرائق في جسدينا.
شعرت بيديه تلامسان خصري مثل نسيم ليل دافئ، تنساب معه الروح في عذوبة حالمة، حملي بيديه إلى غرفة نومه، وضعني على سريره، في عتمة الحب المستتر وفي غفلة من زمن منسي، كان للفعل نداء من عمق لذة الوجود" (ص 8). 
فهذا المحكي لا يقول الفعل الجنسي في كل تفاصيله، بل هو يكتب حركات الأجساد وهي تمارس الحب في معناه المادي بلغة تقريرية تسجيلية( تمرير الشفتين على الخد والعنق واتحاد شفاه الجسدين ..)، ويقول ما وقع في غرفة النوم، أي الجنس، بلغة مستترة إيحائية تقول معنى الجنس بالنسبة إلى الأنا أكثر مما تقول الجنس نفسه كفعل مادي ملموس، أي أن معنى الجنس الذي يوحي به المحكي هو معنى روحي وجودي أكثر مما هو معنى مادي غريزي(كان للفعل ـ فعل الجنس ـ نداء من عمق لذة الوجود). إن الجنس هو أكثر من مجرد التحام بين جسدين ماديين: " في معركة السرير هناك الرعشة لكل شيء، للموت وللحياة" (ص24).
وتكتب نصوص الكاتبة الجنس في علاقته بالعنف والألم، كما في هذا المثال:
" نهش جسدها بوحشية كأنه يفرغ وحشيته الرازحة منذ سنين" (ص 16).
وتقول احتراق الجسد الأنثوي على فراش رجل بارد أو عاجز، كما في هذا النموذج:
"خلع ثيابه عنه، ثم أخذ يعتصر جسدها بدون أن يتلفظ بكلمة وبدون مداعبات. يتصبب جسده عرقا عندما يلامس جسده جسدها الذي يهب نفسه دون أن يتأوه، وفي غفلة من زمن الفعل دفع بها بعيدا... جلس هنيهة يلتقط أنفاسه، اعتراه ارتخاء وشف الفضاء أمامه. ارتدى ثيابه وأسرع في خطوه ... وجملة تثقب جدار رأسه، ترددها زوجته كلما اختليا في مخدعهما: أنت رجل عاجز، لا أشعر معه بأني امرأة كاملة الأنوثة." (ص61).
وانطلاقا من هذا النموذج، يمكن القول إن كتابة الجنس عند وفاء مليح تختلف عن الكتابة البورنوغرافية بالمعنى السائد، لأنها على عكس هذه لا تقوم على فكرة فحولة الرجل وقوته الجنسية، بل إن قصص وفاء مليح تقول عجز الرجل وفشله الجنسي وقوة المرأة وفحولتها، وهي بذلك كأنها تؤسس كتابة بورنو ـ غرافية تنقلب فيها موازين القوى، وتنتزع الفحولة من الرجل لتمنح للمرأة، أو على الأقل تنظر إلى الجنس كممارسة ينبغي أن تقوم على التوازن والتكافؤ والتعادل بين الرجل والمرأة.. 
3 ــ 2 ــ 3 ــ كـتـابـة الـشـذوذ الـجـنـسـي:
ما يثير في نصوص وفاء مليح أنها تكتب الشذوذ الجنسي، وتربطه بالحرمان والقهر والوصاية التي يعاني منها الجسد الأنثوي. ففي قصة: حلم نزق، يتعلق الأمر بمراهقة تكتشف " جسدها الذي أصبح ضاجا يختزن نكهة الافتتان بالحياة، يصيبها دوار من حين لآخر جراء موجة الأسئلة المحمومة حول أسرار الجنس واغواءاته المثيرة" (ص 32). ولما أرادت أن تقترب من هذه الأسرار، توجهت إلى أمها تستعين بها، لكن هذه الأخيرة صدّتها وعنّفتها هي التي لم تكن ترى في جسد ابنتها غير " قنبلة متحركة يجب الانتباه إلى كل حركة تصدر عنه." (ص 32). ولأن أمّها منعتها من مرافقة الذكور ومجالستهم، فانه لم يكن أمامها غير صديقتها:
" في حمّى البحث والاندفاع، أحسّت ميلا شديدا نحو صديقتها، لمع في عينيها ذاك البريق الذي يشعّ عندما يتملك الجسد الرغبة والاشتهاء. شعور بالرغبة لم يخالجها وهي أمام الجنس الآخر.
همست لها تبوح بكلمات الشبق المسعور، توسّدتا الفراش واستسلمتا لمعركة الجنس تكتشفان جسديهما الغضين.." (ص34).
واللافت في هذا النص أنه يفاجئنا في نهايته بأن الأمر لم يكن إلا حلما، أي أنه يحوّل الحدث الجنسي الشاذ إلى شيء متخيّل، فهذه الفتاة المراهقة لم تضاجع صديقتها حقيقة، وجسدها المحكوم عليه بالركود لا يمكن أن يتفجر إلا في الحلم، لأن فيه فقط يمكنه أن يحقق رغبته الممنوعة، وأن يعيش حياته الجنسية، ولو بشكل شاذ، فإذا كان المجتمع يمنع الاختلاط بالذكور، فان ما لا يعرفه المجتمع هو أن الرغبة الجنسية لا تشترط في الجسد الآخر أن يكون بالضرورة من جنس مختلف، ذلك لأن العلاقة الجنسية تمرّ أولا عبر الأجساد وليس عبر الهويات الجنسية. 
ومن هنا فالجسد قد يضاجع نفسه أيضا: ففي قصة: جوع بارد ، وجدت المرأة العانس نفسها أمام رجل عاجز لا يستطيع أن يوصل جسدها الجائع إلى لذّته، فما كان منها إلا أن استعانت بأصبعها من أجل بلوغ ما فشلت في بلوغه مع الرجل :
" افترشت أمينة اللحاف مرة أخرى، تذيب مشانق التشظي، تبحث عن اللذة التي لم تصلها مع البائع وتضاجع نفسها، تترك أصبعها يغوص في بحيرتها الدافئة، يثير وخزا شهيا، تتحسس حلمتي ثدييها، تتأوه، حينها تشعر بالنشوة تغمر حنايا جسدها، في عينيها برق وهج جميل تصغي إلى ذبذبات متعتها الداخلية" ( ص62).
وفي الحالتين معا( حالة المراهقة، حالة المرأة العانس)، نكون أمام جسد أنثوي يعاني الاغتراب في مجتمع ذكوري قاهر، فهو محاصر من طرف المجتمع الذكوري القاهر، وتتعرض رغائبه الجسدية الجنسية الطبيعية للمنع والكبت والحرمان، ولا يمارس حريته ويحقق لذته إلا على مستوى الأحلام والاستيهامات، وبشكل انفرادي انعزالي، في غياب آخره. ففي نصوص الكاتبة يتمتع الجسد الأنثوي المقموع المكبوت بلذّاته في عزلته وانفراده، فيتحول إلى ذات الجنس وموضوعه، أي إلى عاشق ومعشوق.
ومن هنا، فان كتابة الجسد والجنس والشذوذ تعني كذلك، وربما بالأساس، بحثا عن جسد غائب، وجنس لم يتحقق، ورغبة محكوم عليها أن تبقى جائعة، وآخر مفتقد على الدوام. ولهذا كان لهذه الكتابة طعم آخر، فهي لا تكتب اللذة فقط، بل الألم أيضا، وهي مثل الحلم والاستيهام، تقول نقصان الواقع وفقره، وتسعى إلى تحقيق الرغبة على مستوى المتخيل وتحت ضغط الاخصاء والفقدان. 
وهنا يفرض سؤال نفسه: أليست الكتابة هي الأخرى بحثا عن جسد غائب، عن جنس لم يتحقق، عن رغبة محكوم عليها أن تبقى جائعة، عن آخر مفتقد على الدوام؟ ألا يستدعي الأمر أن نعيد النظر في علاقة الكتابة بالجسد والجنس؟ أنكتب بالكلمات فقط أم أننا نكتب بأجسادنا أيضا؟ أيوجد الجنس في مضمون الكتابة فقط أم أنه موجود في أساس سيرورة الكتابة؟ أليس فعل الكتابة فعلا جنسيا ؟ ألا تشبه اللذة التي يحصل عليها الإنسان، ذكرا وأنثى، من وراء الكتابة كما من وراء القراءة تلك اللذة الجنسية؟
وإجمالا، فان وفاء مليح لا تقول الجسد والجنس بلغة تقريرية تسجيلية فقط، بل إنها تستثمر النفسي والحلمي والخيالي، وتقدم بنية قصصية شديدة الإيحاء والتكثيف والترميز، وهو ما يجعلها أقرب من بنية الشعر.
وما يمنح الكتابة قوتها في نصوص الكاتبة أنها تقول الرغبة التي موضوعها غائب. والرغبة باعتبارها فقدانا هي، كما قال ت. تودوروف في كتابه: شعرية النثر(1971)، الموضوع الجوهري والبنيوي الخاص بالأدب: بكلامه عن الرغبة يستمرّ في الحديث عن نفسه.


نوشته شده در تاريخ شنبه 1391/01/26 توسط شاهسونی (دکترای زبان و ادبیات عربی)
.: Weblog Themes By Blog Skin :.